حروب هجينة في أفريقيا

حروب هجينة في أفريقيا

حروب هجينة في أفريقيا

 العرب اليوم -

حروب هجينة في أفريقيا

بقلم : عبد الرحمن شلقم

عُقدت في أديس أبابا الأسبوع الماضي، القمةُ الأفريقيةُ التاسعة والثلاثون. تغيَّر الرؤساءُ الذين شاركوا في القمم السابقة. الانقلاباتُ التي لا تغيبُ عن بلدانٍ أفريقية، إلا لتعودَ بقيادةِ رتبٍ عسكرية أدنى. بعد موجة الاستقلال التي شهدتها أغلبُ بلدان القارة، في عقدَي خمسينات وستينات القرن الماضي، صعدَ إلى قيادة الدول المستقلة، شخصياتٌ شاركت سياسياً أو عسكرياً، في معاركِ الاستقلال. بناءُ الدولة الحديثةِ والسلام الاجتماعي، والتنمية الشاملة والتضامن الأفريقي ومفاصلةُ العنصرية، كانتِ الدوافعَ المحركةَ للعمل الأفريقي. في 25 مايو (أيار) سنة 1963، تأسست في العاصمةِ الإثيوبية أديس أبابا، منظمةُ الوحدةِ الأفريقية وضمَّت 32 دولةً مستقلة. لعبتِ المنظمةُ دوراً مهماً، في دعم البلدان التي كانت لا تزال تحت وطأة الاستعمار، وحاصرتِ النظامَ العنصريَّ في جنوب أفريقيا، سياسياً واقتصادياً، وساندتِ المقاومة. في سنة 2002 تأسَّس الاتحادُ الأفريقي، ومقرُّه في العاصمةِ الإثيوبية أديس أبابا. أهدافُ الاتحاد التي أُعلنت في وثيقة التأسيس، هي تعزيزُ التنميةِ والأمنِ والسلام في القارة، والدفاع عن سيادةِ دولها. لكن بقدر ما نجحت منظمة الوحدة الأفريقية، في تحقيق القدرِ الأكبر من الأهدافِ التي تأسَّست من أجلها، بقدر ما تعثر الاتحاد الأفريقي في تحقيق أهدافه. القارة الأفريقية تعيش اليوم حروباً تتوالد وتتَّسع. أكثر من 13 حركة إرهابية متطرفة تخوض حروباً واسعة في قلب القارة وأطرافها. «بوكو حرام» في نيجيريا، تنظيمٌ إرهابيٌّ عنيف يحرّمُ الدراسةَ ويكفّرُ كلَّ من يحملُ كتاباً مدرسياً. يختطفُ الأطفالَ الصغار، ويتحرَّك بين نيجيريا وتشاد. وتنظيمُ «داعش» ينتشرُ في تشاد، وحركةُ «الشباب» تقتلُ وتفجّرُ في الصومال، وتشنُّ هجوماتٍ في كينيا. جماعةُ «نصرةِ الإسلام» تنظيمٌ جهاديٌّ متفرّعٌ من تنظيم «القاعدة»، ينشط في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. «جيشُ الرَّب» يقاتلُ في أوغندا...

بعد انقلاباتٍ عسكرية شهدتها النيجر ومالي وبوركينا فاسو، أعلنت هذه الدولُ تأسيس اتحادٍ كونفدرالي يجمعها، وأنهتِ الوجودَ العسكريَّ الفرنسيَّ في أراضيها، وفتحت أبوابَها لروسيا، التي أقامت قواعدَ عسكرية في هذه الدول، وقدَّمت لها الدعمَ العسكريَّ والسياسي. لكنَّ هذا الدعمَ الروسيَّ، لم يكبحِ الضَّرباتِ العنيفةَ المتواصلة، التي تشنُّها التنظيماتُ الإرهابية على جيوشِ دولِ منطقةِ الساحل والصحراء، وتنهبُ الغذاءَ والمواشيَ، وتستولي على شاحناتِ الوقود. الرُّعبُ المسلحُ والفقرُ والمرض، دفعَ آلافَ الشبابِ الأفارقة إلى الهجرةِ شمالاً نحوَ ليبيا والجزائر والمغرب، منهم من يقضِي نحبَه في الصحراء، جوعاً وعطشاً قبل الوصول إلى شمال أفريقيا. من يصلُ منهم يقعُ ضحيةَ تجار البشر، الذين يكدسونَهم في مراكبَ بالية، ليُدفنوا في ماء القبر الأبيض المتوسط، والقلةُ التي يُقدَّر لها أن تصلَ إلى شواطئ أوروبا، تُجمع في مراكز للاجئين، فمنهم من يجد طريقاً للعمل بأجرٍ متواضع في المزارع، أو في تنظيفِ الشوارع. صارت قضيةُ الهجرة ملفاً ساخناً على موائدِ القادة الأوروبيين. دماءٌ تسيل في قلب القارةِ وعلى أطرافها، في حروبٍ تشنُّها مجموعاتٌ إرهابية متطرفة، ضحاياها يقضونَ فوق ترابها، وفي الصحراءِ جوعاً وعطشاً، وفي البحار غرقاً.

حربٌ عالميةٌ هجينةٌ، تخاض في ربوعِ القارة الأفريقية. في سنة 1882، عُقد مؤتمرٌ أوروبيٌّ في برلين، وجرى فيه وضعُ قواعد تقاسم احتلال بلدان أفريقيا بالقوة العسكرية بين دول أوروبا. كانت أوروبا تشهد آنذاك، قفزات هائلةً في الصناعات الثقيلة. القارة الأفريقية هي مخزنُ الخامات المطلوبة للصناعة. بدأتِ الحملاتُ الاستعمارية، وتسابقت فيها الدول الأوروبية.

اليوم تشهد أفريقيا حرباً هجينة عالمية. انتشارٌ عالميٌّ فوق أراضي القارة. اندفاعٌ أوروبيٌّ وصينيٌّ وروسيٌّ وتركيٌّ وهنديٌّ. قواعدُ عسكريةٌ على الأرض وعلى شواطئ البحارِ والمحيطات. روسيا في مالي والنيجر وبوركينا فاسو وليبيا والكونغو الديمقراطية وأفريقيا الوسطى وموزمبيق. حضورٌ تركيٌّ في مواني الشرق الأفريقي، والاستثمارات في القطاعات المختلفة، خصوصاً في الصناعة، حيث الخامات والأيدي العاملة الرخيصة. الهندُ تنشط في مجال الطاقةِ والمعلومات والزراعة والمواد الخام. الصينُ اندفعت مبكراً إلى أفريقيا، تستورد الموادَّ الخام، وتبني المصانعَ وتقدّم القروضَ للدولة. وضعت برنامجاً ثقافياً وتعليمياً طويل المدى، تقدّم المنحَ الدراسيةَ للشباب في المدارس والجامعات الصينية، وتشجّع على الزواج بين الأفريقيين والصينيين. إسرائيلُ وضعت قدماً لها في أرض الصومال. قد يكون هذا الوجود العالمي الكبير في القارةِ الغنية بالماء والخاماتِ والغابات والأيدي العاملة، محركاً للتنمية والنهوض، لكنَّ الحروبَ الأهلية والإرهاب، وتجذُّرَ النسيجِ القبلي، وغيابَ الهياكل المؤسساتية للدول، تشكّلُ العائقَ للتنمية والنهوض. الخطرُ المتربص الدائم هو الانقلاباتُ العسكريةُ التي لا تغيب عن كثير من دول القارة. الجيوشُ هي التنظيمُ التراتبيُّ المسلحُ المتماسكُ الوحيد. يلقى قبولاً من عامة الشعب، عندما يعلن بيانَه الأوَّلَ في الإذاعة صباحاً، ويزفُّ شحناتِ الوعود للبسطاء بالعدالة والحرية والرخاء. يخرجُ الآلافُ يصفقونَ ويهلّلون، فرحاً وتأييداً لمن يسمونَ أنفسَهم بالثوار. لكن أكدت سلسلةُ الانقلابات في أفريقيا، أنَّ كلَّ انقلابٍ يرثه آخرُ أكثرُ سوءاً من سابقه. ويبقى الصّراع على ما في جوفِ أفريقيا وما فوق أرضها، عواصفَ حروب لا تهدأ.

arabstoday

GMT 04:46 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

دبابة البابا

GMT 04:44 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

مجلس السلام بين الطموح والهندسة الجديدة

GMT 04:42 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

رمضانيات فى الذاكرة!

GMT 04:40 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

هل يستطيع ترامب أن يكون أمريكيًا؟

GMT 03:57 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

موضع وموضوع: هرمز ومضائق التاريخ

GMT 03:53 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

الهويات الصانعة للصراع

GMT 03:47 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

أي طريقٍ تنموي يصلح للعرب؟

GMT 03:42 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

ماذا يجري خلف أسوار الصين؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حروب هجينة في أفريقيا حروب هجينة في أفريقيا



الأميرة رجوة تتألق بإطلالة رمضانية في صورة مع ولي العهد الأردني

عمان ـ العرب اليوم

GMT 20:27 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان
 العرب اليوم - تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 06:44 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

مصطفى شعبان يثير جدلاً بعد طرح تتر مسلسله

GMT 06:15 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

ملحم زين يكشف تفاصيل خفية عن قضية فضل شاكر
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab