أي طريقٍ تنموي يصلح للعرب

أي طريقٍ تنموي يصلح للعرب؟

أي طريقٍ تنموي يصلح للعرب؟

 العرب اليوم -

أي طريقٍ تنموي يصلح للعرب

بقلم : محمد الرميحي

النموذج الغربي للتنمية في الغالب يواجه أزمة هيكلية، ويبتعد عن الجدارة التي بني عليها في فترة انطلاقه، وتبين أن النخب في الغالب يحركها المديح وتسقط في هوة الشعبوية، فيفقد النموذج الغربي فاعليته وأيضاً عناصر جذبه.

وحين يُطرح سؤال التنمية بإلحاح في العالم العربي، لم تعد التجربة الغربية هي البوصلة، بل يتجه النظر غالباً إلى تجارب شرق آسيا بوصفها مختبرات ناجحة للتحديث السريع، بعيداً عن مفردات التجربة الغربية. فاليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وكوريا الجنوبية بعد الحرب الكورية، اختارتا التحديث عبر تبنّي المؤسسات السياسية والاقتصادية الغربية الليبرالية، مع مواءمة دقيقة لثقافتيهما المحليتين. فالديمقراطية التمثيلية، واقتصاد السوق، واحترام سيادة القانون، كانت خطوطاً عريضة، بينما بقيت الروح الجماعية والانضباط الاجتماعي، واحترام السلطة الثقافية عناصر حاكمة في السلوك العام، منعتهما من الانزلاق إلى الشعبوية.

الصين سلكت طريقاً مختلفاً. فقد حافظت على نظام سياسي مركزي صارم، تقوده نخبة حزبية، لكنها في الوقت نفسه أطلقت اقتصاداً شبه حر، يقوم على المبادرة الفردية والمنافسة، وجذب الاستثمار الخارجي، والانفتاح التجاري، وتعليم حديث لتنمية رأس المال البشري. هذا الجمع بين قبضة سياسية قوية، ومرونة اقتصادية عالية، أنتج واحدة من أسرع عمليات التحول الاقتصادي في التاريخ الحديث وفي وقت زمني قصير نسبياً. لم يكن النجاح اقتصادياً فحسب، بل كان أيضاً نجاحاً في إدارة الاستقرار الاجتماعي، ضمن مجتمع ضخم ومتعدد.

السؤال العربي لا يكمن في استنساخ هذه النماذج، سواء كانت شرقية - وقد فشلت - أو غربية، وقد تعثرت، بل علينا فهم الشروط التي جعلت تجارب شرق آسيا قابلة للحياة. فالتجارب الآسيوية لم تنجح لأنها آسيوية، بل لأنها بنت عقداً اجتماعياً واضحاً بين الدولة والمجتمع، الدولة توفر الأمن والتنمية، والمجتمع يمنح الشرعية والانضباط والإنتاج.

في اليابان وكوريا الجنوبية، لعبت الدولة دور «الموجّه الاستراتيجي» لا «المالك الشامل». دعمت الصناعات الوطنية، استثمرت في التعليم والتكنولوجيا استثماراً في الكيف وليس في الكم، ووفرت بيئة تنافسية بعيدة عن الفساد، لكنها تركت القطاع الخاص يقود النمو. وفي الوقت ذاته، ترسخت مؤسسات قانونية مستقلة، وشفافية إدارية، ومحاسبة سياسية عقلانية، ما عزز الثقة العامة. أي تعاملت مع عاملين لهما أهمية قصوى في التنمية، وضع آليات المساءلة، والمراجعة.

أما الصين، فنجاحها اعتمد على عناصر مختلفة: بيروقراطية كفؤة، تخطيط طويل المدى، انضباط إداري صارم، ومحاربة منهجية للفقر. لكنها أيضاً استفادت من ثقافة تقدّر العمل الجماعي والاستقرار الاجتماعي، وتقبل دور الدولة المركزي، بوصفه ضامناً للوحدة الوطنية.

عند إسقاط هذه الخبرات على العالم العربي، تظهر معضلة أساسية أمامنا وبوضوح، ليست المشكلة في اختيار نموذج سياسي أو اقتصادي، بل في غياب التوليفة المؤسسية والثقافية، التي تسمح لأي نموذج بالعمل الناجح. فقد شهدت بعض الدول العربية انفتاحاً اقتصادياً بلا مؤسسات رقابية، فنتجت احتكارات وتفشى الفساد، بينما شهدت دول أخرى سيطرة حكومية كاملة على الاقتصاد، أدت إلى البيروقراطية والجمود وأيضاً الفساد. كما أن تبني هياكل ديمقراطية شكلية، دون ثقافة سياسية داعمة، أدى إلى هشاشة مؤسسية، أدت إلى عدم الاستقرار، فأصاب معظمَ تجاربنا الديمقراطية كثرةُ الجدل والضجيج اللفظي.

إن التوليفة العربية الناجحة المرتجاة، لا بد أن تقوم على عدد من المرتكزات الواضحة، وهي خمسة. أولها، دولة قوية بالقانون لا بالأجهزة، قادرة على فرض النظام وحماية الحقوق، لأن الاستثمار والتنمية لا يزدهران في بيئة مضطربة، وفضاء قانوني رمادي. ثانيها، اقتصاد سوق منضبط، يتيح المبادرة الفردية، ويشجع القطاع الخاص، مع دور تنظيمي ذكي للدولة، يمنع الاحتكار ويحمي العدالة التنافسية. ثالثها، استثمار جذري في التعليم النوعي، لأن التجارب الآسيوية أثبتت أن رأس المال البشري هو الوقود الحقيقي للنمو.

المرتكز الرابع هو بناء بيروقراطية مهنية، تعتمد الكفاءة لا الولاء الشخصي، والإنجاز لا الزبائنية، إذ لا يمكن لأي خطة تنموية أن تنجح إذا تعطلت داخل دهاليز الإدارة المتلكئة وغير الكفؤة. والخامس: صياغة عقد اجتماعي جديد يوازن بين الحرية والمسؤولية، ويعيد الثقة بين المواطن والدولة، مبني على تراث محلي ونظام صارم للفصل بين السلطات.

ثقافياً، لا تحتاج المجتمعات العربية إلى التخلي عن هويتها، بل إلى إعادة توظيف قيمها الإيجابية الكبرى، مثل العدل واحترام كرامة الإنسان، والاستفادة من قوة التضامن الاجتماعي، واحترام العلم، وقيمة العمل، ومكانة الأسرة والمرأة. فهذه القيم، إذا أُعيد توجيهها نحو الإنتاج والمعرفة، يمكن أن تشكل قاعدة صلبة للتحديث.

لقد أثبتت التجارب الآسيوية أنَّ النجاح ليس وصفة جاهزة، بل هو توافق بين السياسة والاقتصاد والثقافة. والدرس الأهم للعرب ليس اختيار الطريق الصيني أو الياباني أو الكوري أو الغربي، بل بناء الطريق الخاص، ودولة وطنية عادلة، ذات قيادة واعية واقتصاد منتج، ومجتمع يؤمن بأن المستقبل يُصنع بالعمل لا بالشعارات.

آخر الكلام: ليست نهضة الأمم بما تستعيره من نماذج، بل بقدرتها على تحويل خبرات الآخرين إلى تجربة تتكيف مع واقعها وتخدم إنسانها.

arabstoday

GMT 04:46 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

دبابة البابا

GMT 04:44 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

مجلس السلام بين الطموح والهندسة الجديدة

GMT 04:42 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

رمضانيات فى الذاكرة!

GMT 04:40 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

هل يستطيع ترامب أن يكون أمريكيًا؟

GMT 03:57 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

موضع وموضوع: هرمز ومضائق التاريخ

GMT 03:53 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

الهويات الصانعة للصراع

GMT 03:50 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

حروب هجينة في أفريقيا

GMT 03:42 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

ماذا يجري خلف أسوار الصين؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أي طريقٍ تنموي يصلح للعرب أي طريقٍ تنموي يصلح للعرب



الأميرة رجوة تتألق بإطلالة رمضانية في صورة مع ولي العهد الأردني

عمان ـ العرب اليوم

GMT 20:27 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان
 العرب اليوم - تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 05:25 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

نيمار يلمّح إلى اعتزاله كرة القدم مع نهاية 2026
 العرب اليوم - نيمار يلمّح إلى اعتزاله كرة القدم مع نهاية 2026

GMT 08:32 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

"ميتا" تنهي استقلال "ماسنجر" على الويب في نيسان
 العرب اليوم - "ميتا" تنهي استقلال "ماسنجر" على الويب في نيسان

GMT 06:44 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

مصطفى شعبان يثير جدلاً بعد طرح تتر مسلسله

GMT 06:15 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

ملحم زين يكشف تفاصيل خفية عن قضية فضل شاكر
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab