بقلم: أمينة خيري
الوحش الجارى تربيته ورعايته وتسمينه فى حديقة الوطن الخلفية ستضيق به الحديقة، إن لم يكن اليوم فغداً. وحين ينتقل من الحديقة الخلفية ليرتع فى ربوع البيت، ستكون له الكلمة العليا، وسيكون الآمر الناهى لكل من فى البيت، بمن فى ذلك من ظنوا أنه سيظل ملتزماً الحديقة الخلفية إلى أن يقرروا مصيره. سيقرر هو مصيرهم، ومصيرنا.
على مدار سنوات، تقع أحداث كاشفة منذرة. قليلون فقط على ما يبدو هم من يتنبهون لها. والمؤسف أن كثيرين إما يعتبرونها أموراً سطحية، بل وتافهة، لا تقارن بسعر رغيف العيش، أو قرارات وزارة التربية والتعليم، أو أسعار الوقود، أو حربى غزة وإيران، أو معضلة الشرق الأوسط المزمنة. آخرون لا يلاحظونها من الأصل، وهذه سمة تحركات الثعابين والأفاعى، وإن كان بطئها وسكونها لا يمنعان من لدغاتها القاتلة.
تحول الشارع المصرى من عنوان للتسامح والوسطية والجمال الهادئ وتذوق الفنون بفطرة شعبية رائعة إلى ما هو عليه من غلطة فكرية وقسوة فى التعامل وكراهية تقفز من العقول المحشوة خطاباً لن أقول أصولياً، فالأصل أصالة، لكن أقول غارقاً فى التطرف وتشويه الدين واستلاب العقل الجمعى عبر «أفيون» مريح، لكن مميت، لن يبقى على أخضر أو يابس، حتى لو أصبح رغيف العيش يوزع بالمجان، وكيلو اللحمة بعشرة جنيهات!
إشباع البطون ضرورة لا غنى عنها للبقاء على قيد الحياة، وإشباع العقول لا يقل أهمية، وسيملأها أول من يأتى «حاملاً الخير لمصر»! أتذكرون هذا «الخير»؟!
يجادل البعض أن التيارات الأخرى من سلفية وغيرها تختلف عن الإخوان، إذ لا تطمح إلى حكم، فقط نشر الخير بمفهومه «الدينى»، ولو عن طريق تيشيرت يعلن أن مرتديه طفل مسلم، أو تذكير بأن «إما أن تسلموا أو الجزية»، أو تنبيه أنه «لن يهزم جيش فيه القعقاع»، أو عبر الدروس الخصوصية فى مراكزها التى ساهمت فى تهميش التعليم واستلاب التربية والاستيلاء على التنشئة وبث التطرف والتشدد فى كبسولات «الأخلاق الحميدة» للطلاب المدعوين لارتداء «الإزار» (إسدال نصفى رجالى) أثناء الصلاة والطالبات اللاتى لا يسمح لهن بدخول «السنتر» إلا محجبات. وأشير هنا إلى أن ارتداء الطرحة أصبح قانوناً شعبوياً شفهياً مطبقاً فى الكثير من المدارس، لا سيما الحكومية. وأضيف هنا عودة الزوايا بكل قوة وسلاسة، بما فيها الأماكن التى تقع بين مسجدين، وثالث أمامها، ورابع خلفها. تبدأ بسجادة صلاة، ثم عشرات الحصر، ثم إمام، ودروس والبقية معروفة.
هنا يتم تجييش جيوش «وهل تكرهون الدين؟ ولماذا تحاربون التدين؟»، ومعها تنطلق ميليشيات «جهاد إلهاها»، مزودة بالمتخصصين فى الشتم والسب بأقبح الألفاظ، وكل ذلك باسم نصرة الدين، والدين منهم برىء.
فى تلك الأثناء، يقودون سيارات، ويتناولون أدوية، ويجاهدون عبر أثير وتطبيقات، ويستخدمون مصاعد، ومنهم من لا يمانع فى حمل سلاح لنصرة الدين، وجميعها «صنع على أيدى غير المسلمين»، وللحديث بقية.