بقلم: أمينة خيري
ما زلنا نناقش الذكاء الاصطناعى القادم لا محالة، إلا لو قرر أباطرته وقوة العالم العظمى التى تدعمه إنهاءه أو تحويل مساره، وهو القادم بصرف النظر عن سبل استعداداتنا له، سواء كانت ضربًا من الخيال غير العلمى حيث نقترض تطبيقًا ابتكره وصنعه آخرون، ونزج به فى هيكل بلاستيكى، ونقول إننا أنجزنا مبتكرًا يناطح أدوات وتطبيقات الذكاء الاصطناعى، أو نكتفى باستخدام أدواته، كلٌّ بحسب ثقافته ورؤيته، وأولويته وضميره وأيديولوجيته.
ليست كل دول العالم ضالعة فى امتلاك وتطوير وتوجيه والتحكم فى الذكاء الاصطناعى وأدواته. فى الوقت نفسه، ليست كل دول العالم مدركة أن استخدام الذكاء الاصطناعى من قبل مواطنيها العاديين يحتاج وعيًا وثقافة، ومبدئيًا يحتاج محو أمية رقمية.
والمقصود بالأمية الرقمية، أو بالأحرى محو الأمية الرقمية، لا يقف عند حدود أن يكون الشخص ملمًا بكيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعى، وإلا لنقلنا تجربتنا الفريدة فى قيادة المركبات إلى فضاء الذكاء الاصطناعى. من ابتكروا المركبات وضعوا لها قواعد وإشارات وقوانين، وأنظمة حساب وعقاب للمخالفين والمتهورين، بالإضافة إلى مكون ثقافى وتوعوى يقوم على فكرة المسؤولية المجتمعية الجماعية التى تُعلى من مصلحة المجتمع على النزوات والرغبات الفريدة التى تلحق الضرر بالآخرين، حيث تُعتَبر رغبة شخص فى السير العكسى أو السرعة الجنونية أو الاجتياز الخاطئ إخلالًا بالالتزام الأخلاقى تجاه مصلحة وسلامة الآخرين. أما نحن، فقد ضربنا بكل ما سبق عرض الحائط، وتركنا الشارع (ويقابله الأثير) مرتعًا يفعل فيه كل من هب ودب (المستخدمون) ما يشاؤون (ويقابله المحتوى) باعتبار ذلك حرية شخصية (ويقابلها الديمقراطية والتمكين الرقميان) وذلك دون تأهيل السائقين عبر التدريب والاختبار والتقييم (وتقابله الثقافة والوعى الرقميان المكتسبان عبر التعليم والتجريب العملى المباشر، والممارسة المستمرة للتفكير النقدى فى كل مجالات الحياة).
الذكاء الاصطناعى القادم لن يفلح معه سؤال رجال الدين: هل يجوز استخدام الذكاء الاصطناعى بين الظهر والعصر؟، بل يمكن للدين أن يكون مكونًا مهمًا ضمن المكونات الأخلاقية لقيم الصالح العام، والاستخدام الآمن والجيد، والبوصلة الأخلاقية، والركيزة العاطفية المتوازنة.
من تربوا ونشأوا على مبدأ «لا تناقش يا أخ على»، يفقدون أبرز وأهم سبل الدفاع والوقاية فى عصر الذكاء الاصطناعى، ألا وهو التقييم النقدى، سواء كان تحققًا من نصوص وصور وبيانات، أو معلومات مختلقة، أو تحيزات خفية. تجدهم يسلمون بصحتها المطلقة، ويدافعون عنها دفاعًا شرسًا مميتًا، لا سيما حين تتقاطع وتتداخل وتتشابه مع أهوائهم أو ميولهم أو ما تربوا ونشأوا عليه باعتباره التفسير الوحيد الذى لا مجال للنقاش فيه أو السؤال عنه.
ومثال من بين ملايين الأمثلة، قدرة الذكاء الاصطناعى على جذب وتجنيد الأفراد، لا سيما الأصغر سنًا، عبر البروباجندا والتقنيات والخدمات المصنوعة لتناسب الأفراد بناء على رغباتهم وميولهم وخلفياتهم الثقافية والتعليمية، والتزييف العميق، وروبوتات المحادثة، والتلاعب بالأفراد عبر الخوارزميات وغيرها الكثير من سبل توجيه واختراق أدمغة تربت على كراهية النقد وشيطنة السؤال، وللحديث بقية.