بقلم: أمينة خيري
أستسمح القراء الأعزاء الذين أرسلوا يشاركون بالتعليق أو الموافقة أو الاعتراض على أفكار وردت فى سلسلة «جددنا الخطاب؟» تأجيل الإشارة إليها قليلاً، وذلك للحاق ببعض القضايا والأحداث الكثيرة والمهمة الأخرى.
ماذا يحدث فى عمالة الأطفال؟.. هذا الملف المهم والمحورى، والذى أصبح شائكاً جداً فى العقد والنصف الأخيرين.
على مدار سنوات طويلة، كنت شاهداً على جهود جبارة بذلتها الدولة عبر جهات عدة، ومعها العديد من منظمات المجتمع المدنى والأممى مثل «يونيسيف»، وأغلبها كان تحت مظلة المجلس القومى للطفولة والأمومة وقت كانت السفيرة العظيمة مشيرة خطاب أميناً عاماً له.
كانت ما بين تطبيق القوانين الخاصة بالأطفال، وتقديم أشكال الدعم المختلفة من عينى ومادى وتوعوى، ومساعدة على تدشين مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر للأسر التى ترسل أطفالها للعمل بدافع الفقر، مع المتابعة معها للتأكد من عدم تسرب أطفالها من المدارس، وتدشين خط نجدة الطفل الذى كان يستقبل العديد من البلاغات عن أطفال عاملين بالإضافة إلى مشكلات أخرى، وطلباً للنصح أو المساعدة عبر المعلومات وغيرها، مما خلق بيئة واعية إلى حد كبير تعى معنى حرمان الطفل من حقه فى الطفولة، والتعليم، والتنشئة، واللعب، وتنمية المهارات فى سبيل الزج به فى سوق العمل لدعم الأسر الفقيرة.
بالطبع لم يتم القضاء تماماً على عمالة الأطفال، لكن يمكن القول إن الكثير تحقق فى هذا الملف، وأهم ما فيه بناء الوعى، ومواجهة استساغة واستحسان المجتمع لمشهد الطفل العامل باعتباره «رجلاً منذ صغره» أو «أمراً عادياً ومقبولاً لأنه يساعد الأسرة».
اليوم، لم تَعُد عمالة الأطفال أقوى مما كانت عليه فقط، بل أصبحت جموع الأطفال العاملين بشكل «شبه رسمى» ضمن شركات وتطبيقات النقل والتوصيل، وفى المحال، والحدائق، ومواقع البناء، والورش، وضمن طواقم مقاولى البناء والهدم وغيرها من المجالات من تفاصيل الحياة اليومية المعتادة، والتى قلما تستوقف أحدا للسؤال: كيف أصبحت عمالة الأطفال واقعاً مقبولاً بل مستحسناً من جديد؟ لا أنكر أن البعض يتوقف بسيارته لمنح هؤلاء الصغار زجاجة مياه فى هذه الحرارة القائظة، أو وجبة، أو بسكويت أو ما شابه، مع الكثير من عبارات التشجيع. ويضاف إلى ذلك حوادث الطرق المتكررة والتى يروح ضمن ضحاياها أطفال كانوا فى طريقهم إلى مزرعة أو مكان عمل.
أقول إن عودة عمالة الأطفال بهذا الشكل المؤسف بدأت فى أعقاب أحداث يناير ٢٠١١، والانفلات القانونى والرقابى، ثم زادت وتفاقمت مع تواتر المشكلات الاقتصادية سواء لأسباب محلية أو عالمية. الرقم الأحدث على حد علمى مصدره المسح الصحى للأسرة المصرية لعام ٢٠٢١، حيث نحو ١.٣ مليون طفل عامل، أى نحو خمسة فى المائة ممن تتراوح أعمارهم بين خمسة و١٧ عاماً يعملون، منهم ٩٠٠ ألف فى بيئات عمل خطيرة.
أغلب الظن أن العدد زاد، والأسباب المؤدية إلى عمالتهم تفاقمت، والحاجة إلى مكاشفة ووضع خطة واقعية لا نظرية للتعامل مع عمالة الصغار أصبحت ماسة.