بقلم : محمد أمين
سؤالى اليوم: لماذا اختفت ظاهرة الصالونات الأدبية؟.. فقد كانت ظاهرة ثقافية مصرية تجاوزت القاهرة العاصمة إلى سائر المحافظات والأقاليم الثقافية والجغرافية.. وكان أشهرها صالون مى زيادة.. كان الصالون الأدبى مكاناً يستضيف فيه شخص بارز مجموعة من الناس إما للمتعة أو لصقل الذوق العام وتبادل المعارف والسجالات والمماحكات والحوارات، وفى الغالب كان الصالون يبدأ بالشعر.. وكان يرتاده نجوم الشعر والأدب مثل أمير الشعراء أحمد شوقى وطه حسين وعباس العقاد وحافظ إبراهيم ولطفى السيد!
وظهرت المدارس الشعرية فى ذلك الحين، وانطلقت فى طول البلاد وعرضها، وغالبا ما ترتبط الصالونات بالحركات الأدبية والفلسفية والفكرية، وبعض الصالونات كان يرعاها الأمراء والأثرياء، ولكنها تراجعت بمرور الوقت حتى أصبحت الصالونات تحت رعاية أجهزة وهيئات الدولة.. حتى وصلنا إلى بعض الصالونات التى كانت تقيمها السفارات وتنفق عليها.. وحالياً عرفنا صالون ماسبيرو الذى دعا إليه الصديق الإعلامى أحمد المسلمانى، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام!
أما عن صالون مى زيادة، فهى كاتبة وأديبة عربية من أصل فلسطينى، وهى من رواد مدرسة الديوان، ولدت فى الناصرة عام ١٨٨٦، اسمها الأصلى كان مارى إلياس زيادة، واختارت لنفسها اسم «مى». وفيما بعد، أتقنت مى تسع لغات هى: العربية، والفرنسية والإنجليزية والألمانية والإيطالية والإسبانية واللاتينية واليونانية والسريانية، أمها من أصل سورى، ووالدها إلياس زيادة أصلهُ من لُبنان، كان معلمًا فى مدرسة الأرض المقدسة، وكانت مهتمةً بدراسة الّلغة العربيّة، وتعلّم الّلغات الأجنبيّة، فتميّزت ميّ منذ صباها ونشرت مقالات أدبية ونقدية واجتماعية!
أما عن حياتها العاطفيّة، فقد أحبّت جبران خليل جبران، على الرغم من عدم لقائهما، وكان حباً بالمراسلة دام عشرين عاماً، سافرت إلى عدة دولٍ، وعانت من اضطرابات نفسية بعد أن أدخلها أقرباؤها إلى مستشفى الأمراض العقلية فى لبنان لتلقيّ العلاج. بدأت ميّ زيادة أولى مراحلها التّعليميّة فى مدارس النّاصرة الابتدائيّة.. ثم استكملت دراستها فى كلية الآداب بالقاهرة!
اشتغلت مى فى الصحافة، وكانت تنشر مقالاتها فى الصحافة المصرية، وتُوقعها بأسماء مُستعارة، من بينها (إيزيس وشجية والسندبادة البحرية)، وكانت تدافع عن حقوق المرأة.. ووقع أدباء كثيرون فى غرامها، ومنهم العقاد، وجبران خليل جبران الذى ارتبط بها فى حالة عاطفية استمرت على الورق، لأنه كان فى المهجر، ولم يلتق بها أبداً، ويبدو أنها كانت مجرد ملهمة له كشاعر يبحث عن تجربة مشتعلة!
واستقطبت فى الصالون المفكرين والكتّاب والشعراء، ونَوعياتٍ مُختلفة مِن عليّة القَوم والأثرياء والأدباء المعدودين فى ذلك الزمان.. وكان صالونها واسعاً رحباً، اختارت أثاثه بنفسها.. كانت تُقدم شراب الورد أو القهوة فى صالونها عَلى الطَّريقة الشَّرقية، وكَانَت تَجلس فى صَدرِه تُرحّب بِضيوفِها. وكانَ صالونها الصّالون الأدبى الوَحيد فى مصر الذى تُديره امرأة وتستقبل فيه ضيوفاً من الجنسين. تميّز بما فيه من حريّة فكريّة واجتماعيّة وحركة ثقافيّة وفّرها كلٌّ من المضيفة والضيوف!