إدارة الفرصة على الطريقة الصينية

إدارة الفرصة على الطريقة الصينية

إدارة الفرصة على الطريقة الصينية

 العرب اليوم -

إدارة الفرصة على الطريقة الصينية

بقلم : د. آمال موسى

 

لطالما ارتبطت ثقافة البراغماتية بالولايات المتحدة الأميركية. ومع الرئيس الراهن، دونالد ترمب، كدنا ننسى قصة هذا الارتباط؛ من منطلق سيادة خطاب الهيمنة الدولية، الأمر الذي جعل من «تفاعلات» البيت الأبيض مع أحداث العالم، و«دور» واشنطن في خلق الأحداث و«توجيهها» خلال السنوات الأخيرة، البابَ الخاص والمختلف في كتاب السياسة الخارجية الأميركية.

غير أن ما يتصل عادة بثقافة الدول يظل متجذراً حتى لو غاب عن الظهور وتوارى عن العين المجردة. ويبدو لنا أن زيارةَ الدولة الرسمية التي أجراها ترمب إلى الصين مؤخراً مثالٌ على عمق ثقافة البراغماتية التي استنجد بها الرئيس نفسه لإدارة ما باتت تسمى «الأزمة الإيرانية».

قبل أشهر قليلة كان البيت الأبيض على قمة التوتر في علاقته بالصين، وشُنّت حرب تجارية رُفع فيها السلاح الفتاك المربك للميزان التجاري الصيني: الرسوم الجمركية.

وقد أسالت الزيارة كثيراً من الحبر، وتبنى فيها رئيس الولايات المتحدة سلوكاً دبلوماسياً مختلفاً ولافتاً؛ فكان منضبطاً دبلوماسياً، على غير العادة، ومحترِماً للبروتوكول الصيني الصارم، ولم نرَ الرئيس الأميركي يرتجل غير عابئ بما يمكن أن يحدث من زلات لسان. لقد قدم خطاباً يعزز علاقة الصداقة والقرب والتهدئة، وقاطعَ نبرةَ التحدي والصدام التي ميزت العلاقة بالصين على امتداد الفترة الماضية. وهنا تحديداً رأى العالم ترمب البراغماتي الراغب في تهدئة الوضع بالشرق الأوسط وتجاوز الأزمة الإيرانية بالتحالف مع دولة صاعدة وقوية، مع ما يعنيه هذا من تنازلات تجارية في «حرب الرسوم».

إذن؛ نسجل نقلة نوعية في خطاب البيت الأبيض تجاه الصين، حيث كانت هذه الأخيرة تُعدّ خطراً على الأمن القومي الأميركي. كما أن الرفع القاسي للرسوم الجمركية هو في إطار حماية المنتجات الأميركية. واختيار الملف التجاري تحديداً في مواجهة الصين، إنما يعود إلى حقيقة أن التجارة هي العمود الفقري للاقتصاد الصيني.

وفي مقابل هذه الحرب التجارية التي بدت ظاهرة منذ 2018؛ أي منذ الولاية الأولى لترمب، فإن مَن يعتقد أنها تقوم على قطيعة بينهما، يعدّ خارج ميزان تقييم العلاقات بين هاتين الدولتين، حيث إن هناك ما يسمى «الاعتماد الاقتصادي المتبادل» و«استقرار سلاسل التوريد العالمية»، وهما يطبعان بشدة التبادلات بينهما: الولايات المتحدة تعتمد على الصين في المكونات الإلكترونية والتصنيع والمعادن النادرة، والصين، من جهتها، تعدّ أكبر مستهلك لمنتجات الولايات المتحدة الزراعية، مثل الحبوب وغيرها. كما أن الحرب التجارية لم تُلغِ جهود الوساطة بينهما في الأزمات.

نعتقد أن الوعي بهذه النقطة؛ التي لطالما تخفيها الحرب التجارية مع الصين، من المهم تعميقه؛ حتى نكسر القوالب الجاهزة في قراءة العلاقات السياسية، وأيضاً لنبتعد عن المبالغة في تصوير العلاقة بين الصين وإيران. بين الدول القوية أو المتقاربة في القوة؛ وإن كانت تتصارع وكل قوة تخلق معسكراً من الدول لمصلحتها، وفي اللحظات الدولية الجادة، يفعل التقارب، الذي كان في المطبخ السري لنادي الأقوياء، فعله ولو قليلاً.

السؤال: لمصلحة مَن يصبّ في الأساس سعيُ واشنطن إلى التقارب وتهدئة التوترات مع بكين؛ وكيف ستخلط الصين الأوراق الرابحة من دون أن تتسرب ورقة خاسرة؟

لا شك في أن هناك حيرة صينية حالياً بشأن كيفية إدارة الفرصة من دون أي خسارة؛ ذلك أن لجوء الولايات المتحدة إلى الصين لن يكون من دون دفع مقابل، وهي تدرك ذلك جيداً؛ بل إنها تدرك المقابل المفضل لدى الصين؛ المتمثل في خفض الرسوم الجمركية ورفع اليد تماماً، ولو بشكل غير ظاهر، عن ملف تايوان.

السؤال الثاني: لنفرض أن الولايات المتحدة من أجل معالجة أزمة مضيق هرمز وإضعاف إيران ستقدم التنازلات اللازمة، فهل يكفي هذا المقابل لجعل الصين تدير ظهرها بالكامل لإيران وهي المشتري الأول للنفط الإيراني وبالعملة الصينية، وهل يمكن إسقاط ورقة إيران، مع ما يعني ذلك من ترك الشرق الأوسط؛ المنطقة الحيوية في العالم؟

حتى الآن تبدو الصين رابحة، والأكيد أنها معنية بمصلحتها، ولكن على الطريقة الصينية وكيفية فهم المصلحة في مداها البعيد. فالصين قوة مستقبلية، وكل خطوة تَحسِب فيها الحاضر والمستقبل، إضافة إلى أن مقاربتها العلاقات الدولية تختلف فيها عن البيت الأبيض.

الكرة في ملعب بكين، والمطلوب تمريرها، واعتماد تكتيك «أقصى درجات الربح» من دون خسارة أو مغامرة غير محسوبة.

arabstoday

GMT 08:09 2026 السبت ,23 أيار / مايو

هل مشكلة إيران في زيادة عدد الشعب؟

GMT 07:50 2026 السبت ,23 أيار / مايو

مأزق القرار في طهران

GMT 07:47 2026 السبت ,23 أيار / مايو

أميركا بين العلمانية والموجة الدينية

GMT 02:25 2026 السبت ,23 أيار / مايو

الزمالك بطلا للدورى.. هل من دروس نتعلمها؟

GMT 02:22 2026 السبت ,23 أيار / مايو

اتفاق أم هدنة لتأجيل الانفجار؟

GMT 02:20 2026 السبت ,23 أيار / مايو

بيزنس الملاعب المدرسية!

GMT 02:18 2026 السبت ,23 أيار / مايو

يوم من عُمرنا

GMT 01:38 2026 السبت ,23 أيار / مايو

واشنطن وبكين ؟!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إدارة الفرصة على الطريقة الصينية إدارة الفرصة على الطريقة الصينية



يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - العرب اليوم

GMT 14:41 2026 الخميس ,21 أيار / مايو

فانيسا ترامب تعلن إصابتها بسرطان الثدي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab