كشف الالتباس عن مراد المتنبّي بأعيب عُيوبِ النَّاس

كشف الالتباس عن مراد المتنبّي بأعيب عُيوبِ النَّاس؟

كشف الالتباس عن مراد المتنبّي بأعيب عُيوبِ النَّاس؟

 العرب اليوم -

كشف الالتباس عن مراد المتنبّي بأعيب عُيوبِ النَّاس

بقلم : تركي الدخيل

نَقْصُ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ... هُوَ غَيرُ الكَمَالِ المُطْلَقِ.

وَنُبْحِرُ فِي فَيْءِ بَيْتٍ مِنْ رَوَائِعِ الْمُتَنَبِّي، وهُوَ قَولُهُ:

وَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ عَيْبًا كَنَقْصِ القَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ

وَمِنْ أَجْلِ تَحْقِيقِ هَذَا التَّمَامِ، تَأْتِي التَّوجِيهَاتُ النَّبَوِيَّةُ الكَرِيمَةُ، تَأْكِيداً لِتَأْصِيلِ سَجَايَا المَحَاسِنِ، وَتَجْذِيراً عَمِيقاً لِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ، التِي تُصَدِّقُ التَّمَامَ وَتُثَبِّتُهُ وَتُؤَكِّدُه.

عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ ﷺ: «مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟!»

قَالَ سَعْدٌ: أَفِي الوُضُوءِ سَرَفٌ؟ قَالَ ﷺ: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ». (رَوَاهُ ابنُ مَاجَه، وَصَحَّحَهُ أحمد شاكر، قائلاً: «إسْنَادُهُ صَحيحٌ»).

يُثْبِتُ هَذَا الحَدِيثُ أَنَّ الإِسْرَافَ يَكُونُ حَتَّى عَلَى النَّهْرِ الْجَارِي، وَفِي التَّنْزِيلِ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ}.

هَلْ حَفْنةُ ماءٍ من نَهْرٍ جَارٍ إِسْرَافٌ؟ وَهَلْ يُغَيِّرُ عَدَمُ الإِسْرَافِ شَيْئًا مِنْ وَاقِعِ جَرَيَانِ النَّهْرِ؟!

إِنَّ مَاءَ النَّهْرِ يَجْرِي جَرَيَاناً دَائِماً، سَوَاءٌ اقْتَصَدْتَ فِي اسْتِعْمَالِهِ أَمْ أَسْرَفْتَ!

وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ يُعَلِّمُكَ كَيْفَ تُحَوِّلُ السُّلُوْكَ الإِيْجَابِيَّ إِلَى خُلُقٍ مُتَأَصِّلٍ فِيكَ، تُمَارِسُهُ بِشَكْلٍ دَائِمٍ، لِقَنَاعَتِكَ بِغَايَتِهِ، وَإِيمَانِكَ بِالسَّبَبِ الذِي شُرِّعَ مِنْ أَجْلِهِ، بَعِيداً عَنْ المُتَغَيِّرَاتِ الطَّارِئَةِ.

الأَصْلُ، هُوَ الاقْتِصَادُ وَعَدَمُ الإِسْرَافِ، وَلَيْسَ جَرْيَانُ النَّهْرِ...

إِنَّ غَايَةَ التَّوْجِيهِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ تَكْمُنُ فِي تَحْوِيلِ الاقْتِصَادِ، وَنَبْذِ التَّبْذِيرِ وَالإِسْرَافِ، إِلَى عَادَةٍ ثَابِتَةٍ فِي سُلُوكِكَ، وَطَبْعٍ أَصْلِيٍّ مِنْ طِبَاعِكَ.

وَهذَا مَا جَاءَ عن أَنَسٍ، رَضيَ اللَّهُ عَنهُ، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:

«إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا».

رَواهُ أَحمَدُ في «المُسنَد»، والبُخَاري في «الأَدب المُفرد»، وصحَّحه الأَلْبَانِي، فِي (سلسلة الأحاديث الصحيحة)، ج1، حديث 9 ، قائلاً: «هَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ على شَرْطِ مُسلم».

(فَسِيلَة): نَبْتَةٌ صَغِيرَةٌ؛ وهِيَ جُزْءٌ مِنْ النَّبَاتِ يُفْصَل عَنْهُ وَيُغْرَس. (المُعجم الوَسيط).

إِنَّ الغَرْسَ، وَالبَذْرَ، وَالزَّرْعَ، وَالبِنَاءَ، وَالتَّعْمِيرَ، غَايَاتٌ وَأَهْدَافٌ أَسَاسِيَّةٌ، فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ، حَتَّى وإِنْ كانَ ذلكَ قَبْلَ دُقَيِّقَاتٍ مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ؛ امْتِدَاداً لِمَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ، مِنْ عِمَارَةِ الأَرْضِ، في قَوْلِهِ سُبحَانَهُ: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}.

كُلُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ التَّمَامِ، الذِي تَتَطَلَّعُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ العَلِيَّةُ.

عِنْدَمَا يَأْمُرُكَ بِغَرْسِ فَسِيلَةٍ، وَقَدْ قَامَتِ السَّاعَةُ، فَإِنَّهُ مُجَدَّداً يَغْرِسُ فِيْكَ قِيمَةَ فِعْلِ الخَيْرِ، في الأَوْقَاتِ كُلِّهَا.

لَمْ يَقْصِدِ المَتْنَبِي فِي بَيْتِهِ بِـ«التَّمَامِ»؛ الكَمَالَ المُطْلَقَ؛ فَإِنَّ التَّمَامَ الذِي يَعْنِيهِ هُوَ المَرْتَبَةُ التِي يُمْكِنُ لِلشَّخْصِ بُلُوْغُهَا، بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ فِي البَيْتِ ذَاتِهِ: «القَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ»، وَتَمَامُهُ هُنَا هُوَ ضِدُّ النَّقْصِ، الذِي اعْتَبَرَهُ أَعْيَبَ العُيُوبِ. ولذلك قِيلَ فِي أَحَدِ شُرُوحِ الدِّيوَانِ، تَعْلِيْقاً عَلَى البَيْتِ السَّابقِ:

«لَيْسَ عَيْبٌ أَقْبَحُ مِنَ الْكَسَلِ»، وذَلِكَ عِنْدَمَا يُمْكِنُ للمَرْءِ أن يَصِلَ إِلَى دَرَجَةٍ مَا، وَيَمْنَعهُ «الكَسَلُ» مِنْهَا.

إِنَّهُ يُعَظِّمُ عَيْبَ القَادِرِ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ ثُمَّ لَا يَفْعَلُهُ، بِمَا يُظْهِرُ أَنَّ «تَمَامَ» الْمَتْنَبِيّ سُمِّيَ تَمَاماً لِكَوْنِهِ ضِدَّ النَّقْصِ، لَا لِأَنَّهُ كَمَالٌ مُطْلَقٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

arabstoday

GMT 04:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 04:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 03:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 03:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 03:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 03:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 03:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 02:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كشف الالتباس عن مراد المتنبّي بأعيب عُيوبِ النَّاس كشف الالتباس عن مراد المتنبّي بأعيب عُيوبِ النَّاس



النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ العرب اليوم

GMT 05:52 2026 الثلاثاء ,15 أيلول / سبتمبر

سياحة البلدات الصغيرة ترند السفر في خريف 2026

GMT 04:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab