عملاق يكتب عن عملاق باردة وصارمة

عملاق يكتب عن عملاق... باردة وصارمة

عملاق يكتب عن عملاق... باردة وصارمة

 العرب اليوم -

عملاق يكتب عن عملاق باردة وصارمة

بقلم:سمير عطا الله

ليس غوركي وحده من يدرك صلة تولستوي بالطبيعة. لطالما كانت الطبيعة صديقه المخلص، كما كان يقول: «إنها باردة وصارمة، تنفّرني وتعيقني، ومع ذلك فالطبيعة صديقة نحتفظ بها حتى الممات». ومع اقتراب نهاية الخريف، أصبح خاملاً: «بالنسبة لي، إنه أكثر الفصول كآبة».

لكن غوركي لم يكتفِ بتدوين ملحوظات عن سلوك الرجل العجوز وعاداته ومظهره في هذه المقتطفات المذهلة. بل يصور لنا تولستوي الداخلي، «كآلهة»، صحيح، ولكنَّه ليس «آلهة» اليونان، يجلس على عرش من خشب القيقب تحت شجرة ليمون ذهبية، ليس مهيباً جداً، ولكنه ربما أكثر دهاء من جميع «الآلهة الأخرى». آلهة، ولكنه أيضاً رجل ارتقى فوق القطيع، ولا تزال غريزة طبقته للإكراه والهيمنة قوية فيه. يقول غوركي: «كان يعطي الناس ما لم يكن يحتاجه هو نفسه، كما لو كانوا متسولين: كان يحب إجبارهم، إجبارهم على القراءة، والمشي، وأن يكونوا نباتيين».

ورغم نظرياته الشيوعية، ظل حتى آخر رمق أرستوقراطياً. «فلاح بالنسبة له لم يكن يعني سوى رائحة كريهة». لطالما شعر بذلك، وكان عليه أن يتحدث عنه لا إرادياً، كما يشير غوركي (الفلاح). إذا عارضه أحد، فجأة، تحت لحيته الفلاحية، تحت بلوزته الديمقراطية المجعدة، يرتفع صوت الروسي العجوز، الأرستوقراطي العظيم، ثم تزرقّ أنوف الزوار البسطاء، المثقفين وغيرهم، من شدة البرد. كان من دواعي سروري رؤية هذا المخلوق ذي الدم النقي، ومشاهدة رشاقة حركاته النبيلة، وتحفظه الفخور في حديثه، وسماع حدة كلماته القاتلة.

تتجلَّى حدة حياة تولستوي من خلال صفحات غوركي، وهنا لا تعرض نظريات تولستوي فحسب، بل مشاعره الشخصية العميقة. إن الشعور بالعداء تجاه النساء ليس بالأمر الجديد عليه. لأنَّه حذر نفسه منذ عام 1847 من «أن ينظر إلى رفقة النساء على أنَّها أمر مزعج ضروري في الحياة الاجتماعية، وأن يبتعد عنهن قدر الإمكان». المرأة كما رآها غوركي «كان ينظر إليها بعداء لا هوادة فيه»، وكان يحب أن يشركها في شؤونه. «هل هو عداء الرجل الذي لم ينجح في الحصول على كل ما يستطيع من المتعة، أم هو عداء الروح ضد الدوافع المهينة للجسد». يتساءل غوركي لكنَّه يترك تساؤله دون إجابة. لكنَّه متأكد تماماً من شيء واحد: وهو أن تولستوي لم يكن رجلاً سعيداً قط. الحقيقة التي ذكرها غوركي مراراً وتكراراً أنَّ حديث تولستوي كان فظاً مثل فظاظة فلاح روسي، واستياءه من الجسد الذي ليس «كلب الروح المطيع» بل سيده، ومقترحه شبه الجاد ألا يقول الحقيقة عن النساء، إلا عندما يكون آمناً في التابوت والغطاء عليه، كلها تشير إلى خيبة أمل عميقة، وعقدة خفية.

إلى اللقاء.

 

arabstoday

GMT 04:30 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

بعدما فازت إسبانيا... ماذا عن «نظريات» ميسي؟

GMT 04:28 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

النظام العالمي والفرصة الأخيرة

GMT 04:27 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

آفاق مستقبل النفط

GMT 04:24 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

تفاهمات «الاتفاق الإطاري» في التطبيق

GMT 04:21 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

الشرق الأوسط... حروب أم بداية حلول؟

GMT 04:17 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

مصر ومواجهة الانفجار الكبير

GMT 04:15 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

المكانة الخاصة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عملاق يكتب عن عملاق باردة وصارمة عملاق يكتب عن عملاق باردة وصارمة



هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ العرب اليوم

GMT 04:33 2026 الإثنين ,20 تموز / يوليو

هزتان أرضيتان تضربان غربي إيران
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab