بقلم: سليمان جودة
فى مثل هذا الشهر من عام ١٩٩٨، أصدرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية ملحقاً خاصاً مع العدد الورقى، كان الملحق يحمل سؤالاً بالبنط العريض من خمس كلمات هى: «ماذا تعنى اسرائيل بالنسبة لك؟».
أما لماذا هذا الشهر؟ فلأنه هو الشهر الذى جرى الإعلان فى ١٥ منه عام ١٩٤٨ عن قيام دولة اسمها اسرائيل. فإذا حسبناها بالورقة والقلم تبين أن عُمر هذه الدولة ٧٨ سنة. أما قبل ١٥ مايو ١٩٤٨ فلم يكن فى العالم شىء اسمه إسرائيل، ومن بعده أصبح الكيان الذى يحمل هذا الاسم سبباً للوجع الممتد فى أرض فلسطين وفى المنطقة معاً.
كانت الصحيفة الأمريكية قد اختارت ١٥ مايو ١٩٩٨ لأنه وافق مرور نصف قرن على قيام الكيان الاسرائيلى.
وكان السؤال الذى طرحته الصحيفة موجهًا إلى الرؤساء الأمريكيين الذين تعاقبوا على البيت الأبيض طوال نصف القرن. كان هارى ترومان هو الرئيس الموجود فى المكتب البيضاوى وقت الإعلان عن قيام الكيان، وكان هو الذى بادر فور الإعلان عنها إلى الاعتراف بها.
ومن بعده جاء الرئيس دوايت أيزنهاور، ثم جون كينيدى، ثم ليندون جونسون، ثم ريتشارد نيكسون، ثم جيرالد فورد، ثم جيمى كارتر، ثم رونالد ريجان، ثم جورج بوش الأب، ثم بيل كلينتون الذى صدر ملحق الصحيفة فى النصف الثانى من فترته الرئاسية الثانية.
كان سؤال الصحيفة موجهاً إليهم جميعاً، وكان الأحياء منهم يجيبون عن السؤال، وكانت الصحيفة تستخرج إجابته مما قاله الذين ماتوا، وكانت الإجابة أن أمن اسرائيل يمثل التزاماً بالنسبة لكل واحد فيهم وبالنسبة لإدارته على السواء.
من بعدهم، جاء جورج بوش الابن، ثم باراك أوباما، ثم دونالد ترمب، ثم جو بايدن، ثم جاء ترامب للمرة الثانية !.. ولو أن الصحيفة طرحت سؤالها فى ١٥ مايو من هذه السنة، لكانت قد وضعت هذا الرئيس الأخير فى برواز بمفرده، فلم يحدث من ترومان إلى اليوم أن انحاز رئيس أمريكى إلى إسرائيل مثل ترامب، وقد كان الاختلاف بينهم فى الدرجة دائمًا لا فى النوع.
كان سؤال الصحيفة هو الأبرز فى ١٩٩٨، أما الأبرز هذه السنة فهو ما قرأته فى حديث منشور للشاعر الفلسطينى مريد البرغوثى يقول فيه إنه من مواليد ١٩٤٤، وأنه أكبر من اسرائيل بأربع سنوات. رحم الله الشاعر الذى عاش أكبر من دولة.