بقلم : فاروق جويدة
في حياة الإنسان أيام قليلة هي رصيد ذكرياته وحصاد عمره، وحين يجلس وحيدًا في آخر الرحلة يفتح الأوراق ويستعيد الوجوه، ويتذكر الملامح والأحداث والصور. ولا بد أن نعترف بإننا عشنا زمانًا جميلًا، وصادفنا أنواعًا فريدة من البشر، وزرنا أماكن كثيرة، والأهم من ذلك أننا حلمنا كثيرًا، وبعض أحلامنا تحقق وترك لنا ذكريات جميلة نعيش عليها.. ربما تخلت عنا بعض الأحلام، ولكنها لم تترك لنا جراحًا.. أجمل الأحلام حلم أصبح بين أيدينا. هناك أحلام خذلتنا، ووجوه شوهت أجمل ما فينا، ولكن في غياب الحلم يمكن أن يأكل الملح أشجار الزيتون، وتغادر العصافير، ويهرب الإنسان إلى ذاته. أجمل ما يبقى لنا من رحلة الأحلام لحظات ممتعة، ورفاق أوفياء، وأحباب سكنوا القلب، وزمان يعرف قيمة الحق والخير والجمال. في الليالي العاصفة والرياح الشديدة يجلس الإنسان خلف النافذة يتأمل الوجوه التي حاصرها الغبار، وهي تبحث عن رفيق أو حبيب أو صديق، وتتعثر الأحلام أمام أنواع غريبة من البشر. إن الخالق سبحانه كان قادرًا أن يصنع من الناس نسخة واحدة في اللون والملامح، ولكنه جعل الناس شعوبًا وأوطانًا مختلفة دينًا وألوانًا، حتى الأحلام خلقها الله تحمل صفات البشر، وقال لهم: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم». حين يهبط المطر وتغيب الشمس وتزورك ليالي الشتاء الطويلة، لا تفرط في أحلامك، خذ مكانًا في شرفتك، واقرأ قصيدة شعر جميلة، واسمع عبد الوهاب: «من قد إيه كنا هنا، أيام ما كنا لبعضنا». لا تحزن على حلم خذلك، أو حبيب باعك، أو زمان لم ينصفك، احزن فقط على عمر تسرب منك ولا تملك استرجاع يوم منه..