بقلم: فاروق جويدة
سنوات طويلة فرقت بيننا، لم تسأل عنى، ولم أقتحم حياتها. لم أكن أعرف أين استقر بها المقام، وهل تزوجت أم عاشت وحيدة بعدى. أحيانًا كانت تداعب خيالى. لم يحدث بيننا ما يسيء. أخذت أشياءها ومضت ذات ليلة، لم تقل أين ذهبت. كانت لها صديقة أخبرتنى أنها سألت عنها ولم تعرف لها مكانًا.
ذات يوم دق جرس الباب، فوجئت بها تصافحنى. كان وجهها شاحبًا يبدو عليه المرض. قالت: لم أجد مكانًا أذهب إليه، فكرت أنك المكان الوحيد الذى يمكن أن يحتوينى.
رحبت بها، ولم أذكر شيئًا عن قصة هروبها. لم أعاتبها، واكتفيت بأن أعرف أين كانت. قالت: سافرت إلى دولة شقيقة مع رجل أوهمنى أنه يحبنى، وأسـاء معاملتى واعتدى على، وتزوج بعدى أكثر من مرة، وقررت أن أهرب وعدت ومعى إحساس رهيب بالفشل، أننى صدقت هذا الرجل المخادع. لا أملك الآن شيئًا، لا مالا ولا بيتا، ولم أجد أمامى غير بيتنا القديم، أويت إليه، ولا أدرى هل يقبلنى.
يومها بكيت كثيرًا وأنا أراها غارقة فى دموعها. كان البيت خاليًا، فلم أتزوج بعدها. أخذت حقيبتى وتركت لها الشقة وبعض النقود والطعام. كنت حزينًا وأنا أرى سنوات عمرى تبكى معى، وصافحتها وأنا لا أعرف إلى أين أمضى، غير أن أذهب إلى بيت شقيقى، فهو الملاذ الوحيد وما بقى لى من الرحلة.
وأنا فى طريقى إلى بيت أخى، كنت أسأل نفسى: هل هو القدر أم سوء الظن أم أخطاء الآخرين ندفع ثمنها عمرًا وشبابًا؟
كنت أشعر وأنا أودعها أنى أودع سنوات عمرى. كنت حزينًا على الأيام التى ضاعت منى، وكنت حزينًا أكثر على ما ضاع منها، ولا أدرى خسارة من كانت الأكثر.