بقلم: عبد اللطيف المناوي
خطاب هانى سويلم، وزير الرى، حمل دائما التأكيد أن النيل نهر دولى، وأن الإجراء المنفرد يظل مرفوضا، سواء تعلق الأمر بسد ضخم أو منشأة أصغر، لأن الخطر الحقيقى يكمن فى تكريس السابقة، أن تقرر دولة وحدها ما يصل إلى الآخرين ومتى يصل.
هذا التحول مهم لأنه يعيد ضبط النقاش بعد سنوات استهلكتها مفاوضات لم تُنتج اتفاقا ملزما. لم يعد السؤال هو: هل اكتمل سد النهضة؟ بل أصبح: هل يمنح اكتماله إثيوبيا حق تشغيله بلا قواعد؟ والإجابة المصرية الصحيحة هى: لا. المنشأة قد تصبح أمرا ماديا قائما حتى لو بفرض الأمر الواقع، أما شرعية إدارتها المنفردة فلا يصنعها الأسمنت ولا يثبتها مرور الزمن.
يمزج سويلم، فى خطابه الأخير، بين صرامة القانون ودقة الخبير. فهو لا يقدم الأزمة باعتبارها نزاعاً عاطفياً حول «الحقوق التاريخية»، كما تحاول إثيوبيا تصويرها، بل قضية تتعلق بمبادئ مستقرة، الاستخدام المنصف والمعقول، وعدم إحداث ضرر جسيم، والإخطار المسبق، والتشاور، وتبادل البيانات. وفى الوقت نفسه يشرح كيف تدير مصر المخاطر بأدوات الرصد والتنبؤ والخبرة الفنية فى ظل حجب المعلومات. وهذه لغة أكثر تأثيراً أمام المجتمع الدولى، لأنها لا تكتفى بإعلان الغضب، بل تكشف موضع المخالفة وتقدم الدليل والبديل.
لكن قيمة «أسبوع القاهرة للمياه» لن تُقاس بعدد الجلسات أو الوفود، وإنما بما يبقى بعد انفضاضه. المطلوب أن تتحول خلاصاته إلى حركة ممتدة: تنسيق أوثق مع السودان، وشراكات حقيقية مع دول الحوض، وحضور مصرى دائم فى مؤسسات التمويل الدولية، وتواصل مبكر مع الشركات التى قد تشارك فى السدود الإثيوبية الجديدة، وملفات قانونية وفنية جاهزة، ومنظومة إقليمية لتبادل البيانات والإنذار المبكر.
كما ينبغى حمل هذه الرؤية إلى مؤتمر الأمم المتحدة للمياه وغيره من المحافل الكبرى. فإثيوبيا تحاول تقديم سد النهضة باعتباره رمزاً أفريقياً للتحرر والتنمية، بينما يتعين على مصر أن توضح أن القضية ليست صراعاً بين التنمية والاستعمار، وإنما بين التعاون والانفراد، وبين إدارة النهر بوصفه مورداً مشتركاً، واستخدام موقع المنبع لفرض أمر واقع على شعوب أخرى.
لقد بدأ الخطاب المصرى يتحرك فى الاتجاه الصحيح، من الدفاع إلى المبادرة، ومن الاختزال فى سد واحد إلى مواجهة سياسة السدود المتتابعة، ومن مخاطبة إثيوبيا وحدها إلى مخاطبة أفريقيا والعالم بقواعد يفهمها ويحترمها. وأسبوع القاهرة للمياه يمنح هذا الاتجاه منصة علمية ودبلوماسية مهمة.
لكن المنصات لا تحمى الحقوق وحدها. ما يحميها هو تحويل المعرفة إلى سياسة، والسياسة إلى شبكة مصالح، والقانون إلى تكلفة يتحملها من يخالفه. عندئذ فقط تصبح عبارة «المياه حافزاً للسلام» أكثر من شعار جميل، تصبح عرضاً مصرياً واضحاً، التعاون متاح ومربح للجميع، أما فرض السيطرة على شريان حياة دولة أخرى فليس تنمية، ولن يتحول بالصمت أو الزمن إلى حق.