بقلم : فاروق جويدة
يُعتبر أبو تمام أحد الشعراء الكبار فى ثقافتنا العربية، رغم أنه لم يصل إلى مكانة المتنبي. يُحكى عنه أن شاعرًا شابًا ذهب إليه وقرأ عليه قصائده، وكانت نصيحة أبو تمام للشاعر الشاب أن يحفظ خمسة آلاف بيت من الشعر.
وذهب الشاب وعاد إليه بعد فترة وقال له: حفظت الأبيات، فقال له أبو تمام: اذهب الآن وانسَ كل ما حفظت لكى تكون شاعرًا.
هذه الحكاية تُقال دائمًا حول قضية الإبداع، وأن صاحب الموهبة لا بد أن يُعدّ نفسه إعدادًا جيدًا، لأن رصيد الشاعر ما حفظ، ورصيد الموسيقى ما سمع، ورصيد الكاتب ما أبدع، وهذا ينطبق على كل مجالات النبوغ والتفوق، لأن المبدع مشروع فردى لا يدخل ساحات القطيع، إن الأرض تحدد نوع أشجارها حسب خصوبتها، ولا بد أن يكون صوتك جميلًا ومتفردًا لكى تغنى وتطرب الناس، وأن تكون قادرًا على الكتابة لكى تصبح كاتبًا.
إذا زرعت الورد فى أرض مالحة, سوف يموت، والمبدع الحقيقى يحتاج زمنًا ومناخًا يقدّر قيمة الموهبة.
إن ما نراه أحيانًا فى لغة القطيع لا يصنع مبدعًا، ولهذا كم من الأصوات القبيحة تغني، وكم من الأفكار الشاذة تفسد الأشياء والبشر.
كان العقاد معجزة كونية، وكان طه حسين إنسانًا متفردًا، وكان شوقى أميرًا بموهبته، وكانت أم كلثوم نخلة مصرية عريقة شربت مياه النيل وأطربت العالم كله. الإبداع فى أى مجال شجرة وحيدة ترفض مبدأ القطيع ولا تكبر فى زحام البشر.
هناك مجتمع يرعى مواهبه ويوفر لها مناخًا صحيًا، وهناك مجتمع يخنق المواهب، والفرق بين الاثنين مبدع حقيقي، ونماذج مشوهة فى الفكر والسلوك تقدم سلعًا رخيصة.