بقلم: د. وحيد عبدالمجيد
كتب الكاتب الروسى الرائع فيودور دوستوفيسكى قبل نحو قرن ونصف القرن أن أى حضارة بلا روح قد تقبل فى وقت ما الإبادة الجماعية وأكل لحوم البشر. وها نحن نرى كيف قبلت الحضارة الغربية الإبادة الجماعية فى قطاع غزة. ولا يوجد ضمان بالتالى لعدم قبول هذه الحضارة تقنيات تحسين النسل العنصرية القائمة على الانتقاء الجيني، والموجهة لتحسين حالة المواليد الجدد، والحد من العيوب الجينية فى أجسادهم وعقولهم، وإنتاج مواليد مُحسنة النسل.
وقد بدأت فعلاً محاولات العبث بالحمض النووى لأجنة أطفال لم يولدوا بعد، لجعلهم أكثر ذكاءً ولياقة وأقوى جسديًا. وتوجد الآن أبحاث متطورة فى مجال علم الجينات، وخاصةً بعد التوصل إلى تسلسل الجينوم البشرى من أجل فهم خصائص الأمراض البشرية وصفاتها، الأمر الذى يجعل التلاعب بالجينات ممكنًا. ومن السهل أن تؤدى نزعات عنصرية شديدة إلى إساءة استخدام التقدم فى هذا المجال الذى كان أحد الأسس التى قام عليها فكر النازية وممارساتها فى القرن الماضي.
ولعل ارتباط جهود تحسين النسل بالنازية كان من الأسباب المهمة التى أدت إلى تراجع هذه الجهود بعد الحرب العالمية الثانية، وإدانتها فى بعض وثائق حقوق الإنسان خاصةً فيما يتعلق بالتعقيم القسري. فقد نُظر إلى النازية فى هذا السياق بوصفها إحدى الأفكار الأشد تدميرًا، والأكثر إساءة لاستخدام علم الجينات الذى تعود بداياته إلى العقود الأولى من القرن العشرين، حيث كان فرنسيس جالتون ابن عم تشارلز داروين رائدًا له. وكان هذا العلم يُسمى فى ذلك الوقت علم تحسين النسل الذى عُقد مؤتمر دولى بشأنه فى نيويورك عام 1932 عُرضت فيه أبحاث كان بعضها شديد العنصرية، ونوقشت أفكار مثل التعقيم الإجبارى لمن قيل إنهم متخلفون ومنحرفون، وتنقية المجتمع منهم.
ورغم تراجع هذا الاتجاه فلا يوجد ضمان لعدم قبوله بعد أن حدث ما لم يكن أحد يتوقعه فى قطاع غزة.