بقلم : د. وحيد عبدالمجيد
عندما تشعب النقاش فى جلسة أصدقاء حول العوامل المؤثرة فى نهضة المجتمعات والدول، وتطرق جانب منه إلى موقع الفن فى هذه العوامل، تذكرتُ قصة الإعداد لإصدار الطبعة الثانية من أعمال الراحل الكبير د. ثروت عكاشة «موسوعة تاريخ الفن .. العين تسمع والأذن ترى».
كنتُ وقتها منتدبا إلى الهيئة المصرية العامة للكتاب نائبا لرئيسها الراحل سمير سرحان، عندما قدم د. عكاشة عرضه لإصدار هذه الطبعة عام 2005 على ما أذكر. بدا المبلغ الذى طلبه كبيراً بالنظر إلى إمكانات الهيئة. وإذا أضفنا إلى ذلك التكلفة المهولة لطباعة الموسوعة، بعد جمعها فى ثلاثة أجزاء «الرينسانس، والباروك، والروكوكو»، من حيث نوع الورق والألوان وغيرها، لم يكن القرار سهلاً.
ولذا، دعا د. سرحان إلى اجتماع محدود، سبقه إعداد دراسة جدوى مالية وتقرير عن القيمة الثقافية التنويرية للموسوعة. وبعد نقاش طويل، اتُفق على طباعتها مع وضع خطة لتسويقها داخلياً وعربياً. واستغرق التفاوض مع د. عكاشة فترة أخرى، وكان التصميم بطابعه فى حاجة إلى وقت طويل، مما أدى إلى تأخير نسبى، فصدرت الموسوعة عام 2011، قبل عدة أشهر من رحيل صاحبها.
ومن يطالع هذه الموسوعة، حتى بدون أن يتعمق فيها، يتأكد أن الفن كان أحد أهم الأسس التى قامت عليها النهضة الأوروبية، منذ بدايتها الأولى فى القرن الخامس عشر. وهذا ما تفيدنا به الدراسات التاريخية الموثقة أيضاً. كانت حصون التخلف لا تزال منيعة فى أوروبا حين بدأت إرهاصات النهضة الأولى تومض فناً فى الدويلات الإيطالية الممزقة. فن جديد عبر عن توق الإنسان إلى التقدم، وبشر بحياة أجمل، وتجاوز فناً قديما راكداً يحاكى الطبيعة كما هى، ولا يُحرك عقلاً، ولا يحمل معنى إلا عند الترهيب من مخالفة الأوامر الكنسية.
وكان للرسم والتصوير والنحت والمعمار والموسيقى أهمية بالغة فى تلك المرحلة بسبب انتشار الأمية التى جعلت الفنون السمعية والبصرية هى الأكثر تأثيراً. ولكن ما كان للفن أن يُحدث هذا الأثر الذى تحقق إلا لاقترانه بتطور إبداعى أوسع نطاقًا. فالإبداع الحر هو الذى يفتح الباب للنهوض والتقدم.