بقلم : د. وحيد عبدالمجيد
غريب جدًا تاريخ الأوبرا وأصولها الأولى التى بدأت إرهاصاتها فى أواخر القرن السادس عشر. فالجماعة التى يعود إليها الفضل فى ابتكار الأوبرا والفنون الأوبرالية كان يُنظر إليها فى البداية بوصفها جماعة من الدجالين.
كان أعضاء تلك الجماعة يجتمعون فى قصر جيوفانى دى باردي فى مدينة فلورنسا ليتحدثوا فى الفنون وينشدوا أشعارهم ويمثلوا مسرحياتهم. ومن هنا جاء الاسم الذى أُطلق عليها وهو جماعة دى باردي. لم يتقيد أعضاء تلك الجماعة بقواعد الشعر فى زمنهم، الأمر الذى مكَّنهم من القيام بتجارب جديدة.
ومن تلك التجارب طريقة إلقاء الشعر فى المسارح اليونانية القديمة. فكان معروفًا حينذاك أن هذا الإلقاء كان حماسيًا، وليس موسيقيًا أو مرتبطًا بنغمات الموسيقى التى كانت تصاحب أناشيد الكورس فى المسرح اليونانى.
ومن هنا أُثير سؤال عما يمنع إحياء هذه الطريقة على المسارح الفلورنسية. وكان أن شرع أعضاء الجماعة فى إحياء مسرحيات موسيقية يونانية نظمها شعراء الإغريق الكبار مثل إسخاليوس وسوفوكليس وغيرهما. وفتحت تجارب أعضاء الجماعة فى هذا المجال الباب أمام انتشار نوع من المسرحية الموسيقية لم تلبث أن انتشرت فى العالم، وأسَّست لفن الأوبرا.
وتُعد أوبرا ديفنيه أول مسرحية من هذا النوع، إذ عُرضت فى قصر كورس عام 1596. وتلاها عرض أوبرا بوريديس خلال الحفلات التى أُقيمت عند زواج الملك هنرى الخامس من ماريا دي مدينيش عام 1600. وبعد سنوات، وفى 1607، عُرضت أوبرا أربيانا.
ولم يتأخر كثيرًا افتتاح أول مسرح أوبرا لعامة الناس عام 1637 فى البندقية، وهو مسرح دي سان كاسبانو. وحدث أن صادف النجاح ذلك المسرح، الأمر الذى أدى إلى إنشاء مسارح مشابهة فى مدن عدة، وخاصةً البندقية ونابولى وبولونيا التى كانت مراكز كبيرة لفن الأوبرا. ولم يقتصر انتشار ذلك الفن على مدن أوروبية. فقد وصل إلى القاهرة عندما شُيدت دار الأوبرا المصرية عام 1869، وقُدمت فيها أوبرا عايدة بمناسبة افتتاح قناة السويس.
وهكذا أصبح فن الأوبرا معروفًا فى العالم، فيما نُسيت الجماعة التى كان لها الفضل فى وضع الأساس الأول لهذا الفن.