بقلم:عمرو الشوبكي
لم يفهم الكثيرون لماذا هذه الكراهية وهذا الاستهداف لكل ما هو قديم وتاريخى، حتى أصبح كل مبنى أو مقهى أو وسيلة مواصلات يتجاوز عمرها مائة عام نتوقع أن تستهدفها بلدوزرات الحكومة فى مشهد يمثل عكس ما يجرى فى أى مكان فى العالم.
لا أحد يعترض على الجديد الذى يبنى فى الصحراء ولا الأبراج الشاهقة والكبارى التى لا تدمر مقابر ومبانى قديمة وتربط بين المدن وتحدث الطرق السريعة، لكن لا يجب أن يكون الكوبرى هدفا، وإنه يجب التمييز بين «تطوير» حى سكنى وتطوير طريق سريع، فتطوير الأول لن يكون ببناء الكبارى دون مراعاة البشر الساكنين، والحفاظ على روح الحى وذاكرته ومبانيه القديمة وتوفير أرصفة وأماكن أمنه لعبور المشاة.
ولذا بدا صادما أن يستمر مسلسل كراهية التراث حتى وصل إلى ترام الإسكندرية الذى يتجاوز عمره ١٥٠ عاما واتخذ قرار بإيقافه تمهيدا «لتطوير» أماكن سيرة كما حدث فى أحياء أخرى أصابها «التطوير» فوسع الشارع وألغى الرصيف وأوقف الترام الكهربائى وغابت أماكن عبور المشاة.
المشكلة أن البعض يتعامل مع الترام على أنه فقط مجرد وسيلة مواصلات وأرض يمكن استثمارها إنما هو معلم حقيقى للإسكندرية، ولأن هناك من لم يعلم أن التطوير ليس «بدر» طوب وزلط وبلدوزر إنما هو أيضا علم وعمارة وثقافة وتراث، وأن المدن كما يقول خبراء التخطيط العمرانى والآثار لها ذاكرة وأن الحفاظ على ذاكرة المدن يعنى الحفاظ على تاريخ البلد وهويته وقيمته وسط العالم.
ترام الإسكندرية الذى تلغيه الحكومة، هو عكس ما يجرى فى أى دولة عندها «شوية تاريخ» ولو ربع مصر، وهو عاد فى مدن كثيرة مزدحمة لأنه وسيلة مواصلات ناجحة صديقة للبيئة ورخيص التكلفة، فظهر فى بعض أحياء باريس وبنى فى أحياء أخرى، وتم بناء الترام فى الرباط واحتفظ بشكله القديم فى إسطنبول أما فى مصر فنحن لدينا وسيلة مواصلات تاريخية ولها بريق ومعنى والمطلوب فقط الاحتفاظ بها والذهاب إلى صحراء الله الواسعة لعمل المشاريع الجديدة.
إن الحفاظ على الترام القديم والحى القديم والمبنى القديم يعنى تجديده لا هدمه، وبناء ممرات آمنة لعبور المشاة ومساحات خضراء وإعادة إحياء المقاهى والمطاعم القديمة والحفاظ على قيمتها المعمارية، حتى لو كانت مبنى بسيطا مثل محطة الرمل يحمل عطر الإسكندرية وتاريخها وأجمل من أبراج كثيرة ومقاه قبيحة منعت الناس من مشاهدة البحر.
سحر مصر أساسا فى معمارها القديم أى فى قاهرة المعز الفاطمية، والقاهرة الخديوية، وفى حدائقها القديمة، وفى بحرى ووسط البلد والترام التاريخى. الأحياء والمبانى القديمة فى العالم كله تجدد ولا تهدم وإن ترام الإسكندرية هو معلم مدينة وجزء من ذاكرتها الحية وللأسف هناك بعض الدول تسعى «لشراء التاريخ» أما نحن فبكل أسف نهدمه.