السودان وتراكم الأحزان

السودان.. وتراكم الأحزان

السودان.. وتراكم الأحزان

 العرب اليوم -

السودان وتراكم الأحزان

بقلم - مصطفى الفقي

فى غمار أحداث كارثة غزة منذ أكتوبر 2023 تراجعت مأساة السودان عن تصدر المشهد وأضحت فى مرتبة ثانية وربما ثالثة سياسيًا وإعلاميًا، وتصور الكثيرون أن ما يجرى فى السودان هو موروث قديم فى واحد من أكبر الأقطار العربية والإفريقية على الإطلاق، وفى دولة كبيرة هى مستودع لتراث تاريخى طويل من العلاقات العربية والإفريقية بل والجوار الإسلامى المسيحى أيضًا.

 


المتأمل لنشرات الأخبار سوف يجد أن أحداث غزة قد نالت نصيب الأسد، ولا بأس فى ذلك فهى مأساة تدمى القلوب وتمزق الأكباد وتضعنا جميعًا دون استثناء أمام مسئولية تاريخية لا يمكن تجاهلها أو الخلاص منها، لكن معاناة السودانيين وأنين أصواتهم لاجئين ومهجرين ونازحين تثير الأسى أيضًا وتدفع بالعرب والأفارقة فى اتجاهات شتى، حيث انقسمت الدولة السودانية على نفسها وأشهر المتمردون فيها السلاح فى وجه شرعية الدولة وسلطتها المرعية، وتبادلت الأطراف قتالاً عنيفًا ومعارك متتالية سقط فيها عشرات الآلاف من القتلى وجرى تخريب المدن واجتياح القرى، وبرزت جريمة اغتصاب النساء كعلامة مخزية فى تاريخ السودان ذلك الشعب الباسل العظيم بتراثه الدينى وطوائفه الاجتماعية وفرقه المذهبية.
وقد شاهدت على شاشات التلفاز من السودان دموع النساء وجراح الأطفال وأنين كبار السن فى ظل حروب المدن وتبادل إسقاطها بين الطرفين، الجيش الشرعى من جانب وقوات الدعم السريع فى جانب آخر، والأخيرة مدعومة من دول أخرى. وحين يراجع المرء نفسه عربيًا وإفريقيًا وإسلاميًا فإنه يكتشف أن ذلك البلد الكبير نعتبره المعبر التاريخى للعروبة والإسلام إلى قارة أفريقيا التى تمثل ضمير البشرية الباقى ورمزها الصامد رغم ما مرت به من محن وخطوب وكوارث، كما أن إسهامات السودان الدولة والشعب فى القضايا العربية مشهودة وموثقة، فهو الشعب الذى خرج يستقبل الرئيس عبد الناصر والملك فيصل فى أغسطس 1967مزيلاً الجراح المعنوية للنكسة وجامعًا كلمة العرب فى العاصمة السودانية الخرطوم، فعروبة السودان تستحق منّا كل الاهتمام وتستوجب كافة أنواع التكريم، وعندما خرج السودان من عباءة الدولة المصرية السودانية ونال استقلاله فى أول يناير 1956 أصبحنا أمام قوة عربية وإفريقية مضافة تستحق الإشادة فى كل حال، لكن تعاقبت على السودان دورات من الحكم الديمقراطى تارة والحكم الفردى تارة أخرى، وتأرجحت سياساته بين الانتمائين العربى والإفريقى وحافظت دائمًا على روحها القومية وهويتها المتميزة، ثم برزت أسماء على المسرح السودانى فى الحقبة الديمقراطية، مثل «الصادق المهدى» رحمه الله ومولانا «المرغنى»، حيث ظلت الأحزاب التقليدية ذات تأثير على الساحة السودانية وإن لم يطل العهد بها، وتتابعت بعدها أسماء مثل «عبدالله خليل» و«إبراهيم عبود» كقيادات لامعة فى سماء السودان بعد «إسماعيل الأزهرى» ومحمد أحمد محجوب، وغيرهم من الأسماء المعروفة عربيًا وإفريقيًا، ولقد كان التمرد المدنى السودانى فى 21 أكتوبر 1964 ضد حكم عبود نموذجًا يشير بوضوح إلى الحس الديمقراطى لدى ذلك الشعب الأصيل، وفى غفلة من الزمن قفز إلى السلطة نفر من أصحاب التوجهات التى طرأت على المشهد السودانى فكان عصر «عمر البشير» هو عصر المولد الحقيقى للنزاعات الطائفية فى ظل حكم الجبهة الإسلامية الذى اندلعت فى إطاره أحداث دارفور مع مطلع هذا القرن، فكان ظهور ما سمى بـ«الجنجويد»، وهى مجموعة الخوارج ممن يتخذون العنف أسلوبًا لقمع الفئات الأخرى من حولهم.
وقد تحولت قوة الجنجويد بعد ذلك إلى ما أطلق عليه نظام البشير «قوات الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتى) فتحولت المواجهة إلى صراع دموى لم يعرف السودان له نظيرًا من قبل، فسالت الدماء وتقطعت الأوصال، وأصبحنا أمام مشهد مؤلم لأكبر الدولة العربية مساحة وأكثر الدول الأفريقية تأثيرًا محوريًا فى الشمال الشرقى للقارة، وزحف مئات الألوف من اللاجئين إلى دول الجوار هربًا من قصف المدافع وطلقات الرصاص والملاحقات المتواصلة للمدنيين الأبرياء، وشاعت جرائم القتل والخطف والاغتصاب بصورة هزت الضمير العالمى وحركت المشاعر الإنسانية فى كثير من بقاع الدنيا وأنحاء العالم.
وقد بلغت المأساة ذروتها لأن العرب وبعض الأفارقة مشغولين فى مأساة غزة وكارثة شعبها الأبى المناضل، فاستثمر الانفصاليون والخوارج ذلك الموقف من أجل الاستمرار فى مزيد من الجرائم وشلالات الدم فى ظل لظروف معيشية مؤلمة وأوضاع حياتية قاسية، وهنا يحسن بنا أن نشير إلى الحقائق الآتية:
أولاً: إن الشعب السودانى رفيع الحس عميق الوجدان فهو شعب الثقافة والأدب والشعر، وهو شعب المواقف التى تستحق التقدير أثناء الأزمات القومية والمصائب الإقليمية، فهى الدولة التى استقبلت طلاب الدفعات العسكرية من القاهرة بعد هزيمة 1967 وانتقال الطلاب الدارسين من مصر إلى جبل الأولياء فى السودان، وهى أيضًا الدولة التى شاركت بفاعلية فى كل الأحداث القومية وانفعل شعبها بكل القضايا الإسلامية والعربية وظل دائمَا حائط صد فى مواجهة المؤامرات والفتن، وعندما اندلعت الحرب بين شماله وجنوبه قبل التقسيم فإن الكل يشهد أن الشعور العام لم يكن عنصريًا دينيًا لكنه كان سياسيًا قبليًا، ولقد أتاحت لى فرصة العمل كسكرتير سياسى للرئيس المصرى الراحل مبارك أن أستمع مباشرة من «جون قرنق» قائد حركة التمرد فى الجنوب قوله إنه يسعى إلى نشر تعليم اللغة العربية وتأصيل دراستها فى ولايات الجنوب السودانى دون إكراه فى الدين أو ضغط على العقيدة، مضيفًا أنه يتطلع شخصيًا إلى إتاحة الفرصة له ولمواطنيه فى الجنوب أن يكونوا مرشحين لرئاسة السودان الموحد بشماله وجنوبه دون تفرقة أو تمييز، فالوعى الوطنى السودانى لم يكن غائبًا فى أى من فترات تاريخه الطويل.
ثانيًا: إن الجيش السودانى واحد من أقدم وأهم الجيوش الإفريقية وأكبرها لذلك ظل رافدًا لوحدة الدولة وسلامة مقاصدها، ولم يكن أبدًا أداة لقوى خارجية تعبث بالداخل أو تسعى لتمزيق وحدته، وقد أفرز عددًا من القيادات التاريخية التى لا تنسى فى مقدمتها المشير «سوار الذهب» الذى رفض الاستمرار فى السلطة وآثر أن يكون ابنًا بارًا للسودان وشعبها الأصيل، ومارس دوره بعد ذلك فى أعمال الإغاثة على المستويين الدولى والإقليمى بشكل يثير الإعجاب ويستحق التقدير، لذلك يظل «عبدالرحمن سوار الذهب» نموذجًا مشرقًا فى التاريخ الإفريقى والعربى على السواء.
ثالثًا: يواجه السودان اليوم على حدوده مصادر للقلق، فموقعه الجغرافى فى حوض النيل وشرق إفريقيا يجعله طرفًا فى كثير من صراعات تلك المنطقة وما أكثرها، ولقد انفتحت شهية الأتراك للسودان وسعت حكومة أردوغان منذ سنوات قليلة إلى الحصول على قاعدة عسكرية فى (سواكن) شرقى البلاد، وظل السودان دائمًا مهمومًا بحدوده الملتهبة وعلاقاته المختلفة ومشكلاته الصعبة، ومع ذلك بقى وفيًا لقضاياه العربية والإفريقية والإسلامية على الدوام. وقد تحول السودان فى السنوات الأخيرة عن التقسيمات التقليدية ذات الطابع السياسى والدينى بين الختمية والأنصار إلى نموذج دولة تسعى للديمقراطية دائمًا وتصل إليها أحيانًا.
إن جراح السودان التى تنزف تستحق منّا نحن العرب أقصى درجات الانتباه والتعاطف، كما أن مشكلاتها التقليدية، ومنها ما يتصل بسد النهضة باعتبارها مشكلة مشتركة بين مصر وإثيوبيا والسودان، هى كلها صفحات شائكة فى ملف السودان المتحد الذى حان الوقت أن يتعافى من أوجاعه وأن تعود دولته المركزية الشرعية الموحدة إلى ممارسة دورها الوطنى الذى لا بديل عنه.

arabstoday

GMT 05:08 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

سرُّ حياتهم

GMT 05:07 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

رفعت الأسد… أحد رموز الدولة المتوحّشة

GMT 05:05 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

الإصلاح المستحيل: لماذا لا يملك خامنئي منح واشنطن ما تريد؟

GMT 05:01 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

وأخيرا استجابت الهيئة..لا للأحزاب الدينية

GMT 04:59 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

المباراة المثالية

GMT 04:58 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

«مجلس ترامب».. أى مستقبل ينتظره؟!

GMT 04:56 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

كرة الثلج الأسترالية والسوشيال ميديا

GMT 04:55 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

المعاون الأنيس للسيد الرئيس

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السودان وتراكم الأحزان السودان وتراكم الأحزان



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ العرب اليوم

GMT 20:38 2026 الأحد ,25 كانون الثاني / يناير

مصر تضبط عالم الأطفال الرقمي بقانون جديد

GMT 08:42 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

قوة إسرائيلية تتوغل داخل الأراضي اللبنانية

GMT 12:01 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

باريس هيلتون تخرج عن صمتها الطويل حيال فيلمها الفاضح

GMT 12:18 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

ياسمين صبري تستكمل فيلم "نصيب" عقب عيد الفطر

GMT 22:16 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

رين يضم سيباستيان شيمانسكي بعقد يمتد حتى 2029

GMT 09:14 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف مناطق متفرقة في قطاع غزة

GMT 08:50 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

مستشفى في الخرطوم بحري يعود إلى العمل بعدما دمرته الحرب

GMT 08:54 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

الدولار يتجه لتسجيل أسوأ أداء أسبوعي في 7 أشهر

GMT 09:10 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

طائرة تقل 238 راكبا أرسلت إشارة استغاثة فوق الصين

GMT 18:46 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

اليونيسف تحذر من ضياع جيل كامل من أطفال السودان
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab