بقلم:أسامة غريب
لم أعرف شيئًا عن الطبيب الذى مات مؤخرًا إلا بعد أن مات. اتضح لى أنه كان شهيراً وأن الناس جميعاً يعرفونه ويهتمون بسيرته وفيديوهاته من زمان. ما قرأته عن أساليبه فى العلاج التى كان يدعو لها لم يكن مفاجئًا أو صادمًا، فقد تعودنا على اعتناق الخرافة وإفساح الطريق للدجل ومهاجمة كل من ينبهنا أو يأخذ بأيدينا نحو نور العلم. لا يوجد ما يُدهش فى ذلك، فنحن نعيش فى مجتمع تملأ حوائط شوارعه ومبانيه، خصوصاً فى الأحياء الشعبية إعلانات بدائية عن فلان الراقى الشرعى الذى يعالج المس والسحر والربط إلى سائر الأمراض المرتبطة بالجان والعفاريت. الناس تؤمن بالعلاج بالرقية الشرعية وبول البعير، ولا سبيل إلى التأثير فى معتقداتهم التى يربطونها بالدين.
كان مجتمعنا خلال الأعوام السبعين الماضية نهبًا لقوى تقدمية تدفعه للأمام، مع قوى تخلفية تدفعه للوراء، وكان الخطان يتقاطعان أحياناً ويتنافران أحيانًا أخرى. كنا نشاهد بالتليفزيون برنامج عالم البحار وبرنامج جولة الكاميرا وكانا يقدمان مواد علمية مصورة بطريقة جذابة، وفى الوقت نفسه كنا نشاهد برنامج العلم والإيمان الذى كان يستعين بنفس الأفلام الواردة إلى التليفزيون.
كان العالم حامد جوهر والمذيعة هند أبوالسعود يأخذان المواد من مكتبة التليفزيون ويقدمان المعلومة المفيدة والمسلية، وكان مصطفى محمود يأخذ المواد نفسها ويربطها بالأفكار المتشددة فى اعتساف واضح لكل ذى عينين.. ومع ذلك فقد طوى النسيان «عالم البحار» و«جولة الكاميرا»، بينما عاش فى الوجدان برنامج «العلم والإيمان» الذى كان يؤكد أن الصرصار يمشى على الحائط والضفدعة تنط فى الماء والحصان يقفز فوق الحواجز.. ثم تأتى «سبحان الله» من المذيع الذى يقدمونه لنا باعتباره عالِمًا بينما هو أديب من المستوى المتوسط.. كل هذا فى دولة العلم والإيمان برعاية الرئيس المؤمن الذى رعا الخرافة واحتضن المشعوذين قبل أن يغضبوا عليه ويقتلوه!.
عندما ضربنا وباء الكوفيد وشاهدنا فى برنامج تليفزيونى يقدمه مذيع شهير رجلًا طويلًا عريضاً يقدم للناس العلاج بعيدًا عن العلم وما يسببه من وجع دماغ.. كان العلاج هو الشلَوْلَو. لم يكن الرجل ذو الهيئة المهيبة يهزل، ولم يكن المذيع المفتخر يقدم فقرة كوميدية.. كان الهزل والهراء يقدَمان للناس بمنتهى الجدية، ولا أعلم عدد الذين طاوعوا رجل الشلولو وامتنعوا عن أخذ اللقاح، لكن ما أعلمه أن مستقبلنا فى خطر خاصة وأن تدهور التعليم وانهيار الخدمات الصحية تجعل الناس تستسلم للتخاريف بسهولة وتمضى مع المشعوذين على أمل الشفاء الذى لا تقدمه المستشفيات!. ولا يجب أن نتجاهل طابورًا من المرضى يذهب فى رحلات يومية إلى مرسى مطروح والواحات للحصول على بول الإبل، وأنا شخصيًا أعرف كثيرين من دوائر معارفى يفعلون ذلك، والمصيبة أنهم فى غالبيتهم متعلمون.
كانت لنا جارة من قديم الزمان تقيم من وقت إلى آخر زارًا فى بيتها وكنا نسعد بالهيصة والزمبليطة فى يوم الزار وكان أهالينا يتندرون على الجهل والخيبة. اليوم أصدقاؤنا وجيراننا هم الذين يتبعون طبيبًا يعالج الأمراض الصدرية بالتدخين!.