كُلُّ عَزِيزٍ بَعْدَكُمْ هَانَا

كُلُّ عَزِيزٍ بَعْدَكُمْ هَانَا

كُلُّ عَزِيزٍ بَعْدَكُمْ هَانَا

 العرب اليوم -

كُلُّ عَزِيزٍ بَعْدَكُمْ هَانَا

بقلم : تركي الدخيل

وَمِنْ رَقِيقِ شِعْرِ أَبِي الطَّيِّبِ المُتَنَّبِّي، بلَّلَ اللهُ مَرْقدَهُ بالرَّحمَاتِ، قَوْلُهُ:

قَدْ كُنْتُ أُشْفِقُ مِنْ دَمْعِي عَلَى بَصَرِي

فَاليَوْمَ كُلُّ عَزِيزٍ بَعْدَكُمْ هَانَا

وَلَا أَدَلّ علَى عِظَمِ نِعْمَةِ البَصَرِ، مِمَّا جَاءَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ»؛ يُرِيدُ عَيْنَيْهِ، رَوَاهُ البُخَارِي.

فَقَدْ سَمَّى اللهُ تَعَالَى فِي الحَدِيثِ القُدُسِي، العَيْنَيْنِ، «الحَبِيبَتَيْن»، لِأَهَمِيَّتِهِمَا لَدَى الإِنْسَان، لِدَرَجَةِ أَنَّهُ عَدَّهُمَا حَبِيبَتَيْهِ. وَالمَقْصُودُ بِالابْتِلَاءِ بِحَبِيبَتَيْهِ، إِصَابَتُهُ بِالعَمَى، وَذَهَابِ البَصَرِ بِالكُلّيَّةِ.

وَالجَزَاءُ بِالجَنَّةِ، لِمَنْ صَبَرَ عَلَى فَقْدِ بَصَرِه، دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَةِ الصَّبْرِ عَلَى الابْتِلَاءِ بِهَذِهِ المُصِيبَةِ الكُبْرَى.

أُشفِقُ: الإشْفَاقُ: الرَّأفَةُ المَصْحُوبَةُ بِالخَوْفُ وَالحَذَر.

مِمَّا سَبَقَ، يَتَبَيَّنُ كَيْفَ كَانَ الشَّاعِرُ يَشْفِقُ عَلَى بَصَرِهِ، حِرْصاً عَلَى سَلَامَتِهِ، وَخَوفًا عَلَى إبْصَارِهِ، مِنْ أنْ يُصَابَ بِسُوءٍ مِنْ كَثْرَةِ دَمْعِهِ، إثْرَ تَوَاصُلِ بُكَائِهِ.

لَكِنَّ مُصِيبَةَ فَقْدِ البَصَرِ، صَارَتْ أَمْراً هَيّناً، مُقَارَنَةً بِمُصِيبَةِ فِرَاقِ أَحِبَّتِه.

حقًا... إنَّ المَصَائِبَ تصغرُ بعضها بعضًا!

لَقَدْ أَرَادَ الشَّاعِرُ فِي بَيْتِ القَصِيدِ، أنْ يُبَيّنَ بِجَلَاء، مَا يُمَثّلُهُ فِرَاقُ الأّحِبَّةِ، مِنْ كَارِثَةٍ حَلَّتْ بِهِ، وَمُصِيبَةٍ عُظْمَى نَزَلَتْ عَلَيْه.

وفي سياق بيان مرارة الفراق، يقول المتنبي، في بيت آخر:يَا مَنْ يَعِـزُّ عَلَينَا أَنْ نُفَارِقَهُمْ

وِجْدَانُنَا كُلَّ شَيءٍ بَعْدَكُمْ عَدَمُ

يَا أَحِبَّتَنَا الّذِينَ يَقَعُونَ مِنْ قُلُوبِنَا مَوْقِعَ الإجْلَال، وَيَا مَنْ يُؤلِمُنَا فِرَاقُهُم، وَيَعزُّ عَلَينَا الابْتِعَادُ عَنْهُمْ، إنَّ مَشَاعِرَنَا وَأَحَاسِيسَنَا بَعْدَ هَذَا الفِرَاقِ، بَلَغَتْ مِنَ السُّوءِ مَبْلَغًا جَعَلَهَا فِي مَنْزِلَةِ العَدَم، فَلَا قِيمَةَ لَهَا، وَلَا وَزْن، وَلَا نَفْع، وَلَا أَثَر.

وَمِنْ أَبْيَاتِ المُتَنَبّي فِي الفِرَاقِ، بَيْتُهُ القَائِل:

إِنِّي لأجْبُنُ مِنْ فِرَاقِ أَحِبَّتِي

وَتُحِسُّ نَفْسِي بِالحِمَامِ فَأَشْـجَعُ

الجُبْنُ: عَكْسُ الشَّجَاعَة.

الحِمَامُ: المَوْت.

فِي هذَا البَيتِ يُعلنُ أبُو الطَّيّبِ بِمُنْتَهَى الصَّراحَةِ حَقِيقةً يَقُولُ فِيهَا: أنَا جَبَانٌ حِيَالَ مَفارَقةِ الّذِينَ أُحِبُّهُمْ، أخْشَى الفِراقَ وَأَخَافَه، كَمَا يَخَافُ الجَبَانُ المَوتَ، لَكّنِي إذَا وَاجَهْتُ المَوْتَ أُصْبِحُ شُجَاعاً.

وَمَقْصدُ المُتَنَبّي، أنَّ المَوْتَ أيْسَرُ عِنْدَهُ وَأَسْهَلُ عَلَيْهِ، مِنْ فِرَاقِ مَنْ يُحِبُّ.

الفِرَاقُ مُرُّ المَذَاقِ، يَقُولُ جَمِيلُ بنُ مَعْمَر:

مَنَعَ النَّومَ شِدَّةُ الاشتِياقِ

وَاِدِّكارُ الحَبيبِ بَعدَ الفِراقِ

لَيتَ شِعري إِذَا بُثَينَةُ بانَت

هَلْ لَنَا بَعدَ بَينِهَا مِن تَلاقِ

وَلَقَد قُلتُ يَومَ نَادَى المُنادي

مُستَحِثّاً بِرِحلَةٍ وَاِنطِلاقِ

لَيتَ لِي اليَومَ يا بُثَينَةُ مِنكُم

مَجلِساً لِلوَداعِ قَبلَ الفِراقِ

حَيثُ ما كُنتُمُ وَكُنتُ فَإِنّي

غَيرُ ناسٍ لِلعَهدِ وَالميثـاقِ

حَقّاً إنَّ الفِرَاقَ يَفَتّتُ الأَكْبَادَ، وَيُصِيبُ بِالمَقَاتِلِ العِبَادَ، وَتَأَمَّلْ مَا أَلْطَفَ قَولَ أَبِي الطَّيّب!:

أَشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي فِي سُرُورٍ

تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالَا

arabstoday

GMT 05:30 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

بقلم صاحب التوقيع

GMT 05:29 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

الشوالي يحدثنا عن إنجاز عربي مونديالي

GMT 05:27 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

رجوع لبنانَ إلى أهله

GMT 05:25 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

زمن التلاعب بالاستقلال

GMT 05:23 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

إنه «اتفاق إطار»... لبدء مفاوضات شاقة

GMT 05:20 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

المونديال... أميركا من الهامش إلى الواجهة

GMT 05:18 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

الجغرافيا الاقتصادية... ساحة الصراع الكبرى

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كُلُّ عَزِيزٍ بَعْدَكُمْ هَانَا كُلُّ عَزِيزٍ بَعْدَكُمْ هَانَا



كارول سماحة تجمع بين الأناقة والرقي في أحدث إطلالاتها بالأبيض

بيروت - العرب اليوم

GMT 07:27 2026 الجمعة ,26 حزيران / يونيو

أبوظبي ثامن أكثر مدن العالم ترحيبًا بالزوار

GMT 18:05 2026 الأحد ,28 حزيران / يونيو

مصرع 11 شخصا في تحطم طائرة مدنية شرقي فرنسا

GMT 16:18 2026 الأحد ,28 حزيران / يونيو

عواصف قوية تخلف قتيلا وأضرارا واسعة في بلجيكا

GMT 01:37 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

ارتفاع حصيلة ضحايا زلزال فنزويلا إلى 1450 قتيلًا
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab