بقلم : أسامة غريب
لو كانت القوة العسكرية والتفوق فى السلاح تحسم الحروب وحدها، لما ترددت الولايات المتحدة فى قصف عشرات الدول التى يشعر الرئيس ترامب بالغضب منها.. والحقيقة أن قائمة النقمة الخاصة به ممتلئة على الدوام وتضم إلى جانب إيران، الصين وأوكرانيا والدنمارك وكندا وكوبا والمكسيك وفرنسا وغيرها، وهو يتمنى أن يسحقها لو كان يستطيع، لكن أتراه يستطيع؟
مفهوم أن الأمريكان بوسعهم إلحاق الدمار بالبنية العسكرية الإيرانية، لكن ما يفرمل هذا الاندفاع أن إيران حتى وهى تترنح ما زالت تستطيع إلحاق الأذى بإسرائيل. ويمكن النظر إلى الحالة الإيرانية بوصفها حالة فريدة، إذ إنها تواجه أمريكا وكل دول حلف الناتو بما فيها بريطانيا وفرنسا وألمانيا علاوة على أستراليا وكوريا واليابان وتركيا، بالإضافة إلى الضبع الإسرائيلى والطابور الخامس الروسى والكثير من الدول العربية.. كل هؤلاء يشكلون المجهود الحربى الذى يستعد لسحق الإرادة الإيرانية. نعم، الإرادة هى الهدف وليس النووى أو الباليستى، وحماية إسرائيل هى الغاية. كل هذا تواجهه إيران دون حليف حقيقى.. فالروس، يعرف المسؤولون الإيرانيون حقيقتهم ويتحرجون فى تصنيفهم أعداء بشكل علنى حتى لا يصدمون شعبهم!.. والصينيون محايدون بطبعهم، ورغبتهم فى مساعدة طهران يحدّها تطلعهم إلى إرضاء الزبائن فى إسرائيل وأوروبا الغربية. ويمكن هنا أن تتقاطع الآراء وتتباين بالنسبة للنظام العالمى القائم الذى يقال إنه يتهدم لصالح نظام جديد تتسيده أمريكا بالكامل.. ولكن هل كان النظام العالمى إلا نظامًا أمريكيًا بمحسّنات شكلية مثل إعطاء بعض الدول حق الفيتو فى مجلس الأمن؟!
لقد عاش العالم وأمريكا هى سيدة القرار فيه منذ سقوط الاتحاد السوفيتى.. واليوم، لا يسهل تمرير فكرة وجود من يرغب فى عالم متعدد الأقطاب، فلا روسيا ولا الصين ولا أوروبا ترغب فى مثل هذا العالم الذى قد تخسر فيه مزايا كثيرة تمتعت بها فى ظل الزمن الأمريكى!. ترامب يعرف هذا، فأوروبا رغم الجعجعة من جانب ماكرون وميرتس لا ترغب فى أن تكون قطبًا مساويًا، فتجد نفسها تتحمل نفقات وتبعات لا قبل لها بها، وروسيا لا تحلم بأكثر من الرضا الأمريكى وتأمل فى الانضمام للناتو ذات يوم، أما الصين فتعرف أنها الهدف الحقيقى من حروب واشنطن فى فنزويلا والشرق الأوسط، ولهذا لا تريد عالمًا متعدد الأقطاب تجد نفسها فيه ملزمة بتمويل والدفاع عن الدول التابعة لها مثلما كان الحال بالنسبة للاتحاد السوفييتى.
الحالة القائمة تناسب الجميع، لكن ما يزعجهم هو فجاجة ترامب فى إعلانه للحقائق، وغلظته وهو يقوم بتكوين مجلسه للسلام الذى لم يعد فيه حق الفيتو متاحًا إلا لترامب وحده!. والمثير بالنسبة لهذا المجلس أن حقيقته والهدف منه تتنافى تمامًا مع اسمه، فهو مجلس للحرب تأسس لدعم ترامب دون أن تتكلف أمريكا شيئًا، فالأعضاء انتقاهم ترامب وشرّفهم بأنه سيتنازل ويقبل مليار دولار كرسم عضوية من السادة المكرّمين، بالضبط مثل الأندية فى مصر التى تطلب بضعة ملايين من الراغب فى الحصول على الكارنيه من أجل الجلوس فى الكافيتريا وشرب الشاى!.