كرباجك يا عم الحكيم

كرباجك يا عم الحكيم

كرباجك يا عم الحكيم

 العرب اليوم -

كرباجك يا عم الحكيم

بقلم: أسامة غريب

أشعر بالحزن عندما أرى إنسانًا قد حظى بقدر كبير من التعليم وانفتحت أمامه الدنيا على مصراعيها ورغم ذلك إذا تحدث تطاير منه الهراء فى الجو.

ويضايقنى أكثر أن يكون هذا الشخص محل ثقة الناس، وقد يرددون كلامه دون أن يتصوروا أبدا أن البعيد حمار!


كنت فى العيادة عند واحد من أكبر الأطباء صيتًا وشهرة، وتطرق الحديث بيننا إلى أحوال البلد والانهيار الذى أصاب كل شىء. كان من رأى سيادته أن هذا الشعب (المصرى) هو شعب مدلل، والحل الوحيد لكى تنتظم الأمور وتعود الحياة إلى طبيعتها هو الكرباج! أجل.. كان هذا هو رأى الطبيب الكبير الذى تطوّع به دون أن أطلبه.

الحل لكل مشاكل المصريين هو استعمال الكرباج معهم. اقشعر بدنى وأنا أستمع إلى روشتة حكيم الزمان من أجل علاج مصر من الفساد وتدنى الخدمات وانعدام الضمير وتهاوى الأخلاق وانهيار التعليم والعلاج والثقافة.

الغريب أنه لم يقترح الكرباج علاجًا نقوّم به المجرمين الذين نهبوا البلاد وأفسدوا العباد، وإنما يريد أن يضرب به الضحايا! قلت له: ألا ترى يا دكتور أنك تجنح نحو المبالغة بسبب ضيقك الذى أفهمه من سلبية الناس واستكانتهم للظلم وعدم اتخاذ مواقف رجولية للدفاع عن حقوقهم البديهية؟.

قال: هذا الشعب الكسول لا أمل فيه وقد أفسدته بالأساس مجانية التعليم وجعلت كل جربوع يريد أن يصبح طبيبا! زادت دهشتى وقلت: يا دكتور هذا الكلام كان من الممكن أن يقال منذ 40 سنة عندما كانت هناك لا تزال مجانية وكان هناك تعليم، ووقتها بالطبع كنت سأرد على كلامك وأفنّده وأبين أنه يجافى الحقيقة.. أما الآن فلا وجه لترديده من الأساس. لم تكن هذه هى المرة الأولى التى أستمع فيها إلى هذا الرأى الفاسد سواء عن الشعب اللى عاوز ضرب الكرباج أو عن المجانية التى خربّت التعليم.. استمعت إليه مرة من ماسح أحذية ومرة من سمكرى سيارات وأكثر من مرة من عجلاتى ومكوجى وقرداتى وهم يرددونه مسايرة للموضة واقتداء بمتعلمين يرددونه باستمرار.

الغريب بالنسبة للفقراء أن الكرباج كلما لاح لا يطول سواهم، والعجيب أن المجانية الحقيقية هى أملهم الوحيد وأمل أولادهم فى النجاة، لكن عذرهم أنهم أناس بسطاء لا تسمح لهم حصيلتهم المعرفية إلا برؤية الغابة التى يحيون فيها والعذاب الذى يصلون ناره، ويتطلع كل منهم إلى شىء من الإنصاف، ولا يتصور الحل إلا من خلال كرباج عادل ومعادل للكرباج الظالم الذى يلهبهم.

أما هذا الحكيم الذى لف وطاف وشاف وقرأ وسمع وتعلم فما عذره؟ لماذا يمتلك نفسًا شريرة إلى هذا الحد؟ ثم وهو الأهم كيف تصوّر أن هذا الكلام سيقع منى موقعًا طيبًا فاندفع يلقيه على مسامعى فى حماس وكيف خطر بباله أننى قد أوافقه عليه؟.

هل اعتاد فى عيادته الفخمة أن يلتقى المشتغلين بالأدب والصحافة وأن يتداول معهم هذه الأفكار الفاسدة؟ أعتقد والله أعلم أن بعض الجاهلين منهم قد علّموه هذا الكلام الفارغ فأراد أن يبهرنى بثقافته؟ هل ظن سيادته أن حاجتى إلى روشتته وعلاجه ستجعلنى أهز رأسى موافقا على أفكاره الفاسدة الرخيصة التى يتم تداولها فى دوائر المترفين من أمثاله الذين يجنون الملايين كل شهر؟ الحقيقة أننى منذ سنوات وقد هدأت فورتى وهبط اندفاعى فأصبحت أميل إلى الوقوف فى صف الذين يعرضون عن الجاهلين ولا يردون عليهم أو يجادلوهم، أما هذه المرة ومع هذا الحمار بالذات الذى لهف فى الكشف مبلغًا كبيرا فلم أشأ أن أتركه يسعد بتخاريفه.

قلت له: يا عم الحكيم ألا يكفى ما يقاسيه المصرى فى حياته، فتريد أن تزيد إلى عذاباته سياطًا جديدة؟ ثم من أخبرك أن المصرى لا يتم جلده كل يوم من صحوه عند شروق الشمس حتى إغمائه بعد منتصف الليل بالبطالة والغلاء، والذل والهوان فى المواصلات والمصالح الحكومية وطابور العيش والمدارس والمستشفيات.

المصرى يتم جلده إذا دخل مستوصف أو عيادة طبيب أو معمل تحاليل، وقد تهدر كرامته إذا فكر أن يطالب بمقابل عادل لما يدفعه من مال.. هل تعلم أن الممرضة التى تنظم الدخول إليك قد هبشت منى مائة جنيه دفعتها صاغرا بناء على نصيحة صديق حتى لا تقذف بى لموعد مع سيادتك قرب الفجر. إن جانبًا لا بأس به من مقدمى الخدمة الطبية مثلهم فى ذلك مثل مقدمى سائر الخدمات اعتادوا أن يظهروا للمواطن الوجه الخشب ولا يبتسمون فى وجهه إلا بقدر امتلاء محفظته، ورغم ذلك فخدماتهم متدنية وبدائية.

وبالنسبة لدنيا الطب يا عم الحكيم فإن هناك من زملائك من لا يتورع عن إرسال المريض لأصدقائه الجراح وأخصائى القلب وطبيب العظام والعيون والأسنان ومعمل التحاليل والأشعة ليأخذ كل منهم نصيبه من الغنيمة.

فى مصر توجد كليات طب بلا مستشفيات وهى تقبل الطلبة الأغنياء أصحاب الدولارات حتى لو كان مجموعهم لا يؤهلهم لمعهد القطن، وفى الوقت نفسه فإن خريجى القصر العينى والدمرداش يهربون إلى بلاد بره فرارا من سطوة كبار المهنة الذين استأثروا بالخير كله ولم يتركوا للصغار سوى الملاليم مع علاقات عمل وتلمذة أقرب للعبودية! هذا الشعب بما فيه شباب الأطباء يحتاج إلى الرحمة يا عم الدكتور لا إلى الكرباج.


خرجت من عنده أنظر إلى الروشتة التى كتبها لى فى شك، ثم حسمت أمرى وقمت بتمزيقها لأننى بصراحة خفت منه، وعقدت العزم على أن أسافر إلى بلاد تحنو على الإنسان ولا يفكر كبار أطبائه فى ضرب الناس بالكرباج!

arabstoday

GMT 12:23 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

قصَّر في الأعمار طول السهر

GMT 11:25 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

حتى لا يكونَ العراق جمهوريةَ موزٍ إيرانية

GMT 11:23 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

استعادة الكلام في الدين والعلمانية والسلام

GMT 11:21 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

مأزق التكنولوجيا الجامحة

GMT 11:19 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

إيران... حلول يائسة في أوقات عصيبة

GMT 11:16 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

العراق ما بعد الأميركيين... اختبار الدولة والسلاح

GMT 03:10 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

العراق والاستقلال المنقوص

GMT 03:09 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

منى زكي في وش المدفع!!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كرباجك يا عم الحكيم كرباجك يا عم الحكيم



نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس ـ العرب اليوم

GMT 05:32 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

البيئة ونمط الحياة قد يسرّعان الشيخوخة منذ الشباب
 العرب اليوم - البيئة ونمط الحياة قد يسرّعان الشيخوخة منذ الشباب

GMT 11:08 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

علي الحجار يكشف سبب غيابه عن مهرجان الموسيقى العربية
 العرب اليوم - علي الحجار يكشف سبب غيابه عن مهرجان الموسيقى العربية

GMT 15:03 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

احتجاجات طلابية واسعة تعطل الدراسة في 560 مدرسة بفرنسا
 العرب اليوم - احتجاجات طلابية واسعة تعطل الدراسة في 560 مدرسة بفرنسا

GMT 06:35 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

البيرو تسجيل 700 هزة أرضية منذ بداية سنة 2026

GMT 11:21 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

مأزق التكنولوجيا الجامحة

GMT 08:03 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

غارات جوية روسية تستهدف جسرًا في العاصمة الأوكرانية كييف

GMT 05:47 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

إنفانتينو يخسر دعم بلده سويسرا في حملته لرئاسة الفيفا

GMT 15:00 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

بزشكيان يؤكد استعداد إيران للحوار مع واشنطن رغم الخلافات

GMT 03:35 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

إيلون ماسك يثير الجدل بحيلة طبية لتخفيف حرقة المعدة

GMT 11:19 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

إيران... حلول يائسة في أوقات عصيبة

GMT 11:08 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

علي الحجار يكشف سبب غيابه عن مهرجان الموسيقى العربية

GMT 18:11 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

العصابات المسلحة تختطف وتهاجم في غزة وسط قصف إسرائيلي

GMT 06:05 2026 الأربعاء ,30 أيلول / سبتمبر

جددي ديكور منزلك بالمرايا في خريف 2026
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab