بقلم : عبد اللطيف المناوي
ظل ملف سد النهضة سنوات طويلة محصورًا، فى صورته الظاهرة على الأقل، داخل مواجهة ثنائية بين مصر وإثيوبيا: دولة مصب تخشى على موردها الوجودى، ودولة منبع تتمسك بما تصفه بحقها السيادى فى التنمية. واستفادت أديس أبابا من هذا الإطار، إذ قدمت الأزمة دوليًا وأفريقيًا باعتبارها صراعًا بين «حقوق تاريخية» مصرية، و«طموحات تنموية» إثيوبية، لا باعتبارها خلافًا حول إدارة نهر دولى تتشارك فيه دول وشعوب عديدة.
أما مصر، فبدت فى مراحل كثيرة كأنها تخوض المعركة وحدها، تدعمها قوة حجتها القانونية وخطورة الضرر المحتمل عليها، بينما تحركت إثيوبيا تحت عناوين التحرر من الهيمنة والتنمية الأفريقية والعدالة فى توزيع الموارد.
الجديد فى التحرك المصرى هو بدء الخروج من هذا الإطار الثنائى، ووضع أزمة السدود ضمن سياقها الجغرافى والسياسى الأوسع، أمن القرن الأفريقى، واستقرار السودان، وسلامة البحر الأحمر، والأمن الغذائى، وإدارة الموارد العابرة للحدود.
ظهر ذلك فى الموقف الذى عبَّر عنه رئيس بوروندى، إيفاريست ندايشيمى، الرئيس الدورى للاتحاد الأفريقى، حين أعلن تفهم بلاده للشواغل المائية المصرية، وأكد أن التنمية ينبغى ألا تتحقق على حساب حياة شعوب أخرى. ورغم أن موقفه لا يمثل قرارًا للاتحاد الأفريقى، فإنه اكتسب أهمية من صدوره عن رئيس دولة منبع، بما يضعف تصوير الخلاف باعتباره مواجهة بين مصر ودول المنابع مجتمعة. ثم جاء «إعلان العلمين»، الصادر عن رؤساء مصر والسودان وإريتريا والصومال، ليمنح هذا الاتجاه شكلًا سياسيًا أكثر تنظيمًا.. فقد أكد الالتزام بمبادئ القانون الدولى فى إدارة الأنهار المشتركة، والإخطار والتشاور وعدم الإضرار، ورفض الإجراءات الأحادية التى تمس الاستخدامات المائية القائمة لدولتى المصب. ونص كذلك على آلية متابعة وقمم دورية.
هنا تكمن بداية التحول، الانتقال من مخاطبة إثيوبيا منفردة إلى بناء بيئة إقليمية تجعل سياساتها المائية جزءًا من حسابات أوسع، وتزيد الكلفة السياسية والدبلوماسية لأى خطوات أحادية جديدة.
فإريتريا ليست دولة فى حوض النيل، والصومال لا يملك مصلحة مائية مباشرة فيه، لكن البلدين جزء من المجال الجيوسياسى المحيط بإثيوبيا. وعندما تتقاطع قضية المياه مع أمن البحر الأحمر والموانئ والحدود واستقرار السودان والقرن الأفريقى، تصبح قدرة أديس أبابا على عزل ملف السد عن محيطه أقل.. وهذا لا يعنى إقامة محور لمعاداة إثيوبيا أو حصارها، فمثل هذا التصور قد يمنح الحكومة الإثيوبية فرصة لتقديم نفسها باعتبارها مستهدفة من تحالف إقليمى.
القيمة الأذكى للتحرك المصرى هى بناء شبكة مصالح تجعل التعاون أكثر ربحًا من التصعيد، والانفراد بالقرارات أكثر كلفة.
يمكن لمصر أن توسع تعاونها مع دول المنطقة فى الزراعة والطاقة والربط الكهربائى والموانئ والتدريب ومكافحة الإرهاب، وبهذا لا تكتفى بطلب التأييد السياسى فى أزمة السدود، بل تقدم نموذجًا عمليًا للتنمية المشتركة، يناقض اتهام القاهرة بأنها تريد حرمان دول أفريقيا من حقها فى التنمية.