إكراه بلا رصاص

إكراه بلا رصاص

إكراه بلا رصاص

 العرب اليوم -

إكراه بلا رصاص

بقلم : عبد اللطيف المناوي

منذ أسابيع يعود تعبير «الخروج الطوعى من غزة» إلى الواجهة، كأنه خيار إنسانى مفتوح أمام سكان القطاع، بينما تكشف الوقائع أن الطوعية هنا ليست سوى قشرة لغوية تغطى عملية ضغط منظم لدفع الناس إلى الرحيل. فمع دخول القرار الأمريكى الخاص بغزة حيّز التنفيذ بعد إقراره فى مجلس الأمن، بدا واضحا أن واشنطن منحت إسرائيل اليد العليا فى تفسير وتنفيذ بنوده، وتراجعت عمليا أدوار الأطراف الراعية، لصالح واقع جديد يُصاغ على الأرض خارج النصوص المعلنة.

أخطر ما فى هذا الواقع ما كشفته تقارير أمريكية وإسرائيلية عن تقسيم القطاع إلى «غزة حمراء» تضم أغلبية السكان فى بيئة مدمَّرة وخدمات منهارة، و«غزة خضراء» أكثر اتساعا وأقل اكتظاظا، يبدأ فيها الإعمار وتُبنى بنية أمنية محلية ترتبط مباشرة بالاحتلال. هذا ليس «ترتيبا أمنيا» ولا «مرحلة انتقالية»، بل مشروع سياسى لإنشاء بيئتين متناقضتين داخل غزة، بيئة خانقة غير قابلة للحياة، وأخرى تُقدَّم بوصفها «الملاذ الممكن». ومع اتساع الفارق بينهما، يتحول الانتقال من واحدة إلى أخرى من اختيار فردى إلى رد فعل قسرى على واقع لا يُحتمل.

فى موازاة ذلك أُغلق معبر رفح عمليا أمام المرضى والطلاب والحالات الإنسانية، بينما فُتح مسار عبر مطار رامون، تديره مؤسسات مشبوهة خارج القطاع وداخله، فى صورة أقرب إلى «تهجير منظّم» يُسوَّق على أنه سفر اختيارى. هكذا يُعاد إنتاج الفكرة القديمة نفسها بصياغة جديدة: لا حافلات ترحيل على الحدود هذه المرة، بل خنق إنسانى فى الداخل وبوابة «فرج» صغيرة فى الخارج، من يملك ثمنها يخرج، ومن لا يملك يُترك لمصيره فى غزة الحمراء.

مع ذلك، لا تتحرك هذه الخطة فى فراغ، فالموقف المصرى والسعودى معلَن وحاسم برفض أى تغيير ديموغرافى فى غزة، وأى صيغة ترحيل جماعى أو فردى مقنّع، كما يدرك الفلسطينيون أن «الانتقال الداخلى» قد يتحول إلى خطوة أولى على طريق تفكيك وحدة القطاع، وأن قبول منطق «الخروج الطوعى» اليوم يعنى شرعنة نمط جديد من التهجير الناعم غدا. فى المقابل تبدو إسرائيل ممزقة بين رغبة تيار متطرف فى استثمار اللحظة حتى النهاية، ومحاذير تيار آخر يخشى أن تتحول «غزة الحمراء» إلى مستنقع أمنى

يتعمق الالتباس مع غياب قوة الاستقرار الدولية التى يفترض أن تنتشر فى المنطقة الخضراء. فلا دولة أعلنت استعدادها لإرسال قوات إلى غزة المكتظة، ولا آليات عمل واضحة ظهرت حتى الآن. عمليا، يتحول مشروع التقسيم إلى قرار إسرائيلى صرف: ترسم الحدود على الأرض، تُطلق مشاريع إعمار هنا، وتُترك الفوضى هناك، ثم يقال للعالم إن من ينتقل أو يغادر إنما يفعل ذلك «برغبته».

هل يمكن الحديث عن طوعية حقيقية فى ظل هذا المشهد؟، عندما يعيش الناس بلا كهرباء ولا ماء ولا عمل ولا أفق لإعادة الإعمار، ويُعرض عليهم فى المقابل انتقال إلى منطقة أكثر أمنًا وخدمات، تصبح «الإرادة الحرة» مفهومًا نظريًا.

arabstoday

GMT 04:52 2026 الإثنين ,11 أيار / مايو

صدق أوباما

GMT 04:49 2026 الإثنين ,11 أيار / مايو

هل انتقلنا من حرب ملحمية إلى حرب محلية؟

GMT 04:26 2026 الإثنين ,11 أيار / مايو

10 سنوات من الترفيه والإبداع

GMT 04:20 2026 الإثنين ,11 أيار / مايو

التليفزيون وفن السينما

GMT 04:18 2026 الإثنين ,11 أيار / مايو

فى انتظار الرد الإيرانى

GMT 04:16 2026 الإثنين ,11 أيار / مايو

الإنترنت ليس رفاهية بل أساس للتقدم

GMT 04:14 2026 الإثنين ,11 أيار / مايو

العام الذى تغير فيه كل شىء!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إكراه بلا رصاص إكراه بلا رصاص



شيرين عبد الوهاب تستعيد بريقها بالأحمر في ظهور جديد يعكس الثقة

القاهرة - العرب اليوم
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab