بقلم : عبد اللطيف المناوي
الأكيد أن العالم بدأ دورة جديدة فى التغيير، عودة إلى قواعد قديمة لكن بوجوه وأدوات جديدة. المؤكد أن هذ التغيير أهم ملامحه تراجع المفاهيم الليبرالية وسلطة القانون، دولياً أو محليا، وفرض القيم الشعبوية، لو سميناها قيما، والتى تعلى من مفاهيم القوة الغاشمة مادام يمتلكها أحد الأطراف. باختصار غاب القانون وحلت محله القوة لمَن يملكها.
بعد نهاية الحرب الباردة، بدا وكأن عقيدة مونرو فقدت زخمها. فى عام ٢٠١٣، أعلن وزير الخارجية الأمريكى آنذاك، جون كيرى، «انتهاء حقبة عقيدة مونرو»، فى محاولة لإقناع دول أمريكا اللاتينية بأن زمن الوصاية قد انتهى. غير أن هذا الإعلان ظل أقرب إلى الخطاب منه إلى التحول الفعلى. فمع تغير الإدارات، عادت العقيدة للظهور بأشكال جديدة. فى ولاية ترامب الأولى، وُصفت بأنها «لا تزال على قيد الحياة وبخير»، واستُخدمت لتحذير روسيا والصين من التمدد فى فنزويلا وكوبا ونيكاراجوا.
الجديد فى ٢٠٢٦ ليس مجرد العودة إلى العقيدة، بل الجرأة فى إعلانها. فخطف مادورو، أو اعتقاله وفق الرواية الأمريكية، لم يكن فقط رسالة إلى فنزويلا، بل إلى كل القوى الدولية التى تحاول بناء موطئ قدم فيما تعتبره واشنطن «فناءها الخلفى». والأمر نفسه ينطبق على جرينلاند، التى تقع جغرافيًا خارج نصف الكرة الغربى التقليدى لعقيدة مونرو، لكنها تدخل فى منطق أوسع: منع أى قوة منافسة، خصوصًا الصين وروسيا، من الاقتراب من الدوائر الحيوية للأمن الأمريكى فى القطب الشمالى.
هذا الاستدعاء الصريح لعقيدة مونرو فتح باب المقارنات، خاصة مع الموقف الروسى من توسع حلف الناتو شرقًا. فقد تساءل سياسيون أمريكيون، من بينهم بيرنى ساندرز، عمّا إذا كان من المنطقى إدانة موسكو بالكامل من دون الاعتراف بأن واشنطن نفسها لطالما رفضت اقتراب خصومها من محيطها الإقليمى. السؤال لم يكن تبريرًا لسياسات روسيا، بقدر ما كان إشارة إلى ازدواجية معيارية فى النظام الدولى، حيث تُبرَّر «مناطق النفوذ» حين تخدم القوى الكبرى، وتُدان حين يستخدمها الآخرون.
فى هذا السياق، تبدو عودة عقيدة مونرو جزءًا من تحوّل أوسع فى السياسة الدولية، حيث يتراجع الخطاب الليبرالى عن القيم العالمية لصالح منطق القوة والمجالات الحيوية. ترامب لم يخترع هذا المنطق، لكنه عبّر عنه بوضوح فجّ، يعكس عالمًا أقل حرجًا فى الاعتراف بأن السيادة، فى النهاية، تخضع لموازين القوة.
وهكذا، فإن عقيدة مونرو فى نسختها الجديدة لا تعنى فقط حماية نصف الكرة الغربى من التدخل الخارجى، بل ترمز إلى عودة زمن تُعرَّف فيه السياسة الخارجية بحدود النفوذ قبل المبادئ. عالم ٢٠٢٦ لا يشهد نهاية التاريخ، بل عودته إلى قواعده الأولى، القوة، الجغرافيا، والخطوط الحمراء. ولنتذكر دائماً ما قاله الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إن الولايات المتحدة «لن تنسى عقيدة مونرو بعد الآن» وإن «.. الهيمنة الأمريكية فى نصف الكرة الغربى لن يُثار حولها أى شكوك فى المستقبل». ولا ندرى ما إن كانت «الهيمنة» ستقف عند هذه الحدود.