الفيلسوف الذى لم يدَّعِ امتلاك الحقيقة

الفيلسوف الذى لم يدَّعِ امتلاك الحقيقة

الفيلسوف الذى لم يدَّعِ امتلاك الحقيقة

 العرب اليوم -

الفيلسوف الذى لم يدَّعِ امتلاك الحقيقة

بقلم : عبد اللطيف المناوي

منذ أكثر من عشرين عامًا، شاهدتُ المفكر مراد وهبة فى أحد البرامج العربية التى اشتهرت يومها بصناعة «صراع الديوك» على الشاشات، حتى بات الاستفزاز فيها بديلاً عن الحوار. توقفت طويلًا أمام ردود فعل الفيلسوف تجاه محاولات المذيع المتكررة لإخراجه عن هدوئه. كانت ابتسامته الهادئة، وصوته الواثق الراضى، ومنطقة الذى بدا مؤمنًا بأدواته، هى سلاحه الطبيعى. وحين ضاق المذيع بمنطقه، قال له ساخرًا غاضبًا فى آن: «إنت جاى هنا تتفلسف يا دكتور؟»، فأجابه بنفس الابتسامة: «بالطبع أنا أتفلسف، فأنا فيلسوف».

كان غضبى يومها من هذا الاستخفاف بالعقل والمفكر دافعًا لاستضافته لاحقًا فى برنامج كنت أقدمه آنذاك بعنوان «الرأى الثالث». وأظنها من الحلقات التى بقيت قريبة إلى قلبى، رغم أنها من البدايات. من تلك اللحظة، حرصت على متابعة كتاباته وأنشطته بشكل أكثر مما اعتدت، وعلى استمرار التواصل معه.

ثم منحنى الحظ فرصة أعمق، رحلة طويلة من القاهرة إلى أصيلة. كنا معًا لساعات وأيام خمسة، ومعى ابنتى هيا، وكان عمرها وقتها نحو ثمانية عشرة عامًا. راقبتُ الفيلسوف، والفارق بينه وبينها يتجاوز السبعين عامًا، وهو يناقشها بالاهتمام نفسه، والابتسامة نفسها، والهدوء نفسه، والعمق المبسّط ذاته. هناك رأيت صدق إنسانيته وانفتاحه الراضى، مع المختلف عنه فى الفكر والعمر. قد لا أكون اتفقت مع كل ما طرحه من أفكار، لكنى احترمت دومًا قبوله للاختلاف، ومنطقه الهادئ، وقناعاته التى رحبت بالمختلفين معها دون تسفيه أو تعالٍ.

برحيل مراد وهبة، لا نفقد أستاذ فلسفة فقط، بل نفقد نموذجًا نادرًا للمثقف الذى اختار طريقًا شاقًا، مسيرته الأكاديمية لم تكن منفصلة عن معركته الفكرية. فقد كان واحدًا من أبرز دعاة التنوير فى مصر والعالم العربى، وذكّرنا باستمرار بأن العلمانية ليست ضد الدين، بل هى فصل بين «المطلق» و«النسبى»، حمايةً للإيمان من التسييس، وللسياسة من القداسة.

خاض وهبة معاركه الكبرى ضد الأصولية لا بالصراخ، بل بالتفكيك والتحليل. اشتغل على المفاهيم، لا على الأشخاص. وقدم مشروعًا فكريًا متماسكًا لإحياء «الرشدية»، بوصفها تقليدًا عقلانيًا أصيلًا فى الثقافة الإسلامية، لا مستوردًا. كشف أن ادعاء امتلاك الحقيقة الكاملة هو المنبع الأعمق للعنف والإرهاب.

لم يكن وهبة فيلسوف برج عاجى، بل مفكرًا حرص على مخاطبة المجال العام. كتب، وحاضر، وناقش، ودفع ثمن مواقفه، فمُنع من التدريس فترة، وتعرض لهجمات متكررة. ومع ذلك، لم يفقد هدوءه، ولم يتخلَّ عن ابتسامته، ولم ينجرّ إلى كراهية خصومه. وحين رحل، بدا مؤلمًا أن يتحول موته إلى ساحة لتصفية الحسابات. لكن حتى هذا الجدل، فى جوهره، شهادة على أثره، فالأفكار الحقيقية لا تمرّ بلا مقاومة.

أظنه، لو كان متابعًا لما دار بعد غيابه من دفاع محترم، وهجوم متجاوز، لظل محتفظًا بابتسامته الهادئة، وتقديره واحترامه لكل المختلفين قبل المتفقين معه.

ذلك أنه، ببساطة، يعرف أن الفلسفة، فى جوهرها، ليست امتلاك الإجابة، بل شرف السؤال.

arabstoday

GMT 03:47 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

احتفلوا بقاتله

GMT 03:46 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

أفلام حكومية.. “عطلة 3 أيام”

GMT 03:45 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

لغز اغتيال سيف…

GMT 03:43 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

ثلاث “ساعات” حاسمة: طهران.. واشنطن.. تل أبيب

GMT 03:41 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

الشرع بعيون لبنانية

GMT 03:40 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عبلة كامل... فصاحة الصَّمت

GMT 03:39 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عندما لا تشبه النتائج السياسات

GMT 03:38 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

التهمة: مُزعجٌ مثل «ذبابة الخيل»

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفيلسوف الذى لم يدَّعِ امتلاك الحقيقة الفيلسوف الذى لم يدَّعِ امتلاك الحقيقة



إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ العرب اليوم

GMT 06:23 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
 العرب اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 07:01 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

6 شهداء في عدوان إسرائيلي مستمر على غزة

GMT 20:26 2026 الجمعة ,06 شباط / فبراير

4 فوائد لتناول الزبادى على السحور يوميا

GMT 06:23 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 19:40 2026 الجمعة ,06 شباط / فبراير

النصيري يقود النمور وغياب رونالدو عن العالمي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab