بقلم : عبد اللطيف المناوي
تلمّح ستيفانى ويليامز فى كتابها «ليبيا منذ القذافى: الفوضى والبحث عن السلام» إلى حقيقة أكثر إزعاجًا من فكرة «الاحتلال» ذاتها، ليبيا لم تُغزَ بالقوة، بل انفتحت من الداخل. لم تُكسر أبوابها بالدبابات، بل فُتحت عبر تفاوض هش، وشخصيات ضعيفة، ومصالح شخصية ضيقة، وبيع تدريجى للقرار الوطنى. الخارج لم يحتج إلى فرض إرادته بالقوة، لأنه وجد من يعرضها طوعًا، أو على الأقل من لا يملك القدرة ولا الإرادة لرفضها.
هنا ينهار أكبر مبرر جاهز فى الخطاب الليبى، «كل ما حدث مؤامرة خارجية». الكتاب يقدّم حقيقة قاسية، لا توجد مؤامرة تنجح من دون بيئة داخلية قابلة للاختراق. المؤامرة تحتاج أدوات محلية، وواجهات سياسية، ووسطاء، ونخبًا لا ترى فى الدولة سوى وسيلة للنفوذ أو الوجاهة أو المكاسب. الخارج لا يشترى وطنًا بالقوة، بل يشتريه عندما يجد من يقدّمه بثمن بخس، أو حين يكتشف أن الحراس غائبون.
الأخطر من ذلك أن كثيرًا ممن تفاوضوا باسم ليبيا لم يفهموا أصلًا لغة المصالح الدولية. لم يميزوا بين التفاوض والتنازل، ولا بين الشراكة والتبعية. فى عالم تحكمه موازين قوى دقيقة، تحوّلت ليبيا إلى ورقة فى أيدى الآخرين، لا لاعبًا يمتلك أوراقه.
من أكثر الصور الرمزية دلالة فى هذا المشهد أن الفرقاء الليبيين نادرًا ما يجتمعون داخل ليبيا نفسها. ليس الأمر خوفًا من العنف فحسب، بل لأن الداخل يكشف هشاشتهم. فى الداخل، لا توجد منصات براقة، ولا كاميرات دولية، ولا شرعية مستعارة. الداخل يعرى ضعفهم، ويفضح خواء تمثيلهم، ويضعهم فى مواجهة واقع لا يستطيعون التحكم فى صورته. أما الخارج، يمنحهم البروتوكول، والصفة، والمنصة، والإحساس الزائف بالقوة. فى الخارج يبدو الجميع «رجال دولة»، وفى الداخل يسقط القناع.
لا يكتب هذا الكتاب تاريخ ليبيا بقدر ما يقدّم تشريحًا أخلاقيًا لنخبتها. ليبيا لم تنهر لأن الخارج كان أقوى فحسب، بل لأنها كانت ممثَّلة بنخبة أضعف من أن تحميها. لم تختطف السيادة قسرًا، بل تُركت بلا حراسة. لم تُسرق الدولة ليلًا، بل وُضعت على الطاولة نهارًا. أخطر ما فى الأزمة الليبية ليس حجم التدخلات الخارجية، بل حجم القابلية الداخلية للبيع. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للكتاب. أهميته لا تأتى من كشف وثائق سرية، ولا من إدانة طرف دون آخر، بل من وضع الإصبع على الجرح الأعمق، غياب الحس الوطنى، وتآكل المعنى الأخلاقى للمسؤولية العامة. فالدولة لا تسقط فقط عندما تُهزم عسكريًا، بل عندما تفقد نخبها الإحساس بقداستها السياسية.
ليبيا لم تُدمر بالسلاح وحده، بل دُمّرت حين تحوّل القرار الوطنى إلى ورقة تفاوض شخصية، وحين أصبحت السيادة خطابًا للاستهلاك لا ممارسة تُدافع عنها المؤسسات. وهذا هو الجزء الأصعب فى المأساة الليبية.
تلك هى الرسالة التى يفرضها الكتاب على قارئه، المشكلة لم تكن فقط فى قوة الآخرين، بل فى ضعف الداخل. ومواجهة هذا الضعف هى المعركة الحقيقية التى لم تبدأ بعد.