الأعمدة السبعة للأصليين

الأعمدة السبعة للأصليين

الأعمدة السبعة للأصليين

 العرب اليوم -

الأعمدة السبعة للأصليين

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى ذكرى عيد الميلاد المجيد، لا تبدو المناسبة مجرد احتفال دينى عابر، بل فرصة عميقة لاستحضار جوهر الشخصية المصرية فى أنقى تجلياتها؛ تلك الشخصية التى قاومت عبر قرون طويلة عوامل التعرية الثقافية، والضغوط السياسية، والتحولات الاجتماعية القاسية، وبقيت، رغم كل شىء، محتفظة بخيط متين من التوازن والقدرة على التعايش وإعادة إنتاج ذاتها دون أن تفقد روحها.

وفى مثل هذه اللحظات، أتذكر واحدًا من المفكرين المصريين الذين كنت محظوظًا بمعرفتهم والجلوس معهم فى بدايات عملى المهنى؛ مفكر لم يكن يكتب من برج عاجىّ، بل من تماس حىّ مع المجتمع والتاريخ والناس. أتذكر الدكتور ميلاد حنا، وصدر عنه كتابٌ ظلّ علامة فارقة فى فهم تركيبة المجتمع المصرى: «الأعمدة السبعة للشخصية المصرية».

لم يكن هذا الكتاب محاولة تنظير ثقافى بارد، ولا دراسة أكاديمية جافة، بل قراءة إنسانية عميقة فى طبقات الهوية المصرية، قراءة ترفض الاختزال وتقاوم الثنائية السطحية التى تُقسّم المجتمع بين متناقضات حادة. جاء الكتاب ليقول ببساطة شديدة وعمق شديد فى آن واحد: إن مصر لا تُفهم بعمود واحد، ولا بزاوية واحدة، بل بتكامل سبعة أعمدة تشكّل معًا شخصية قادرة على الاستمرار.

يتحدث ميلاد حنا عن العمود الفرعونى بوصفه ذاكرة المكان والزمان، حيث الاستقرار، والارتباط بالأرض، وفكرة الدولة المركزية التى لم تنقطع منذ آلاف السنين.. ثم يأتى العمود اليونانى- الرومانى ليضيف البعد العقلانى، والانفتاح على الفلسفة والمنطق والمدن الكوزموبوليتانية. ويظهر العمود القبطى ليس فقط كامتداد دينى، بل كحامل لقيم الصبر، والعمق الروحى، وفكرة الاستمرارية فى مواجهة الاضطهاد.

أما العمود الإسلامى، فيقدّمه «حنا» بوصفه إطارًا حضاريًا وأخلاقيًا تشكّل عبر قرون طويلة، وأسهم فى صياغة الحس الجمعى، واللغة، والعادات، دون أن يلغى ما سبقه. ثم يضيف العمود العربى بما يحمله من لغة جامعة، وانتماء ثقافى أوسع، وشعور بالمصير المشترك. ولا يغفل العمود الأفريقى، الذى يعيد مصر إلى عمقها الجغرافى والإنسانى، حيث التعدد، والتداخل، والتأثير المتبادل. وأخيرًا العمود المتوسطى، الذى يجعل مصر نقطة تلاقٍ لا عزلة، وجسرًا لا جدارًا. قيمة هذا الطرح، خصوصًا فى لحظة مثل عيد الميلاد المجيد، أنه يعيد الاعتبار لفكرة التكامل لا التنافى. فالمسيحى فى مصر ليس «استثناءً» فى جسد وطنى، كما أن المسلم ليس «الأصل» الذى يمنح الشرعية للآخر. كلاهما نتاج تاريخ واحد، ومكان واحد، وذاكرة جمعية تشكّلت عبر هذه الأعمدة المتداخلة.

وفى زمن تتآكل فيه الهويات تحت ضغط الاستقطاب، وتُشوَّه فيه صورة الشخصية المصرية إما بالتبسيط المخل أو بالاستدعاء الانتقائى، تبدو العودة إلى هذا الكتاب أشبه بفعل مقاومة ثقافية هادئة. مقاومة تقول إن الشخصية المصرية أعمق من أن تُختصر فى لحظة غضب، أو خطاب كراهية، أو صراع مفتعل.

عيد الميلاد المجيد، فى هذا المعنى، ليس فقط مناسبة للتهنئة، بل تذكير بأن مصر، فى جوهرها، فكرة تعايش قبل أن تكون حدودًا، وتجربة تاريخية فى قبول الآخر قبل أن تكون شعارًا سياسيًا.

arabstoday

GMT 12:03 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

السيدة الأمينة

GMT 12:00 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

الصومال وإسرائيل والبحر العتيق

GMT 11:58 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

فنزويلا الغنيَّة... فرز الدّعاية من الحقيقة

GMT 11:57 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

الشرق الأوسط... أمن بلا سياسة

GMT 11:55 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

جديد ترمب في موقعة فنزويلا

GMT 11:54 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

«الفيلسوفة الطفلة».. بقلم الدكتور «مراد وهبة»

GMT 11:50 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

هل يسقط نظام الملالى بالمظاهرات؟

GMT 11:42 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

لن تكون لقمة سائغة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأعمدة السبعة للأصليين الأعمدة السبعة للأصليين



إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - العرب اليوم

GMT 19:22 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

فينيسيوس يضع حداً لصيامه التهديفي ويقود ريال مدريد
 العرب اليوم - فينيسيوس يضع حداً لصيامه التهديفي ويقود ريال مدريد

GMT 00:57 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

بيومي فؤاد يعتذر لمحمد سلام ويتمنى عودته القوية للفن
 العرب اليوم - بيومي فؤاد يعتذر لمحمد سلام ويتمنى عودته القوية للفن

GMT 06:04 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

ارتفاع حصيلة الشهداء بغزة وتحذير أممي من تقييد المساعدات

GMT 09:39 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

نجاة وزير الدفاع البريطاني من قصف صواريخ "أوريشنيك"

GMT 05:58 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

ستيلان سكارسجارد يفوز بجائزة غولدن غلوب لأفضل ممثل مساعد

GMT 07:45 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

إلغاء عشرات الرحلات في مطار فرانكفورت بسبب الطقس الشتوي

GMT 09:22 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

قصف مدفعي وجوي إسرائيلي على مناطق متفرقة في غزة

GMT 22:07 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

هزة أرضية بقوة 47 درجة شمال شرقي البصرة دون إصابات
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab