بقلم : عبد اللطيف المناوي
إذا كان السؤال فى الجزء الأول من هذا المقال قد دار حول احتمالات صعود مجتبى خامنئى إلى موقع المرشد الأعلى، فإن التطورات المتسارعة فى المنطقة نقلت هذا النقاش من كونه مسألة داخلية إيرانية إلى قضية إقليمية ودولية مفتوحة على احتمالات خطيرة.. فالحرب الواسعة التى اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، غيّرت تماماً طبيعة النقاش حول الخلافة فى طهران. لم يعد الأمر يتعلق فقط بمَن سيجلس على كرسى المرشد، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بشكل النظام الإيرانى القادم، وبطبيعة علاقته مع العالم.
الضربة الأولى التى استهدفت القيادة الإيرانية، وأدت إلى مقتل المرشد على خامنئى وعدد من كبار المسؤولين، لم تكن مجرد عملية عسكرية، بل كانت محاولة لإعادة رسم ميزان القوة داخل إيران نفسها. فغياب الرجل الذى ظل طوال أكثر من ثلاثة عقود مركز توازن بين المؤسسات المختلفة، الدينية والعسكرية والأمنية، يفتح الباب أمام صراع خفيّ داخل النظام حول شكل القيادة المقبلة.
فى هذا السياق، تبدو مسألة صعود مجتبى خامنئى أكثر تعقيداً من أى وقت مضى؛ فالرجل الذى كان يُنظر إليه لسنوات بوصفه «قوة خفية خلف الستار» أصبح فجأة فى قلب معادلة دولية، فقبوله أو رفضه لم يعد قرارا إيرانيا صرفا، بل بات جزءا من معركة النفوذ الدائرة حول مستقبل إيران نفسها.
تصريحات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الأخيرة تعكس هذا التحول بوضوح غير مسبوق. فالرجل لم يكتفِ برفض احتمال وصول مجتبى خامنئى إلى موقع المرشد، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين قال إنه يجب أن «يشارك، شخصيا، فى تعيين القيادة الإيرانية المقبلة». هذه اللغة ليست مجرد تصريح إعلامى، بل تحمل دلالات سياسية عميقة، فهى تعنى عملياً أن واشنطن ترى أن مستقبل السلطة فى إيران لم يعد شأنا داخليا، بل جزءاً من نتائج الحرب الجارية.
هذا النوع من التصريحات يفتح بابا واسعا للتساؤل حول طبيعة المرحلة المقبلة. فالتدخل فى مسألة اختيار القيادة الإيرانية يُذكِّر بنماذج تاريخية حاولت فيها قوى خارجية التأثير فى شكل الأنظمة السياسية فى دول أخرى. وغالبا ما كانت النتائج معقدة، بل أحياناً عكسية، لأن مثل هذه التدخلات تمنح الأنظمة القائمة فرصة لحشد الرأى العام الداخلى تحت شعار «الدفاع عن السيادة».
لكن المفارقة هنا أن النظام الإيرانى نفسه يواجه واحدة من أكثر لحظاته ضعفاً منذ قيام الثورة عام ١٩٧٩. فالحرب الحالية لم تقتصر على استهداف البنية العسكرية، بل كشفت أيضاً عن حجم الضغوط الاقتصادية والسياسية التى يعيشها المجتمع الإيرانى. وفى ظل هذه الظروف، فإن أى انتقال للسلطة سيجرى فى بيئة شديدة الاضطراب.
هنا يعود السؤال: هل يمكن أن يشكل صعود مجتبى خامنئى فرصة للتهدئة أم سبباً لمزيد من التصعيد؟.