بقلم : عبد اللطيف المناوي
منذ عودته إلى صدارة المشهد السياسى، أعاد دونالد ترامب طرح الأسئلة القديمة نفسها لكن بصيغة أكثر حدّة: أين يجب أن تركز الولايات المتحدة نفوذها؟ وما الجغرافيا التى تستحق الاستثمار السياسى والعسكرى والاقتصادى؟ فى هذا السياق، تعود جرينلاند إلى الواجهة، لا كجزيرة نائية فى أقصى الشمال، بل كهدف استراتيجى محتمل فى عالم يتغير بسرعة.
جرينلاند ليست مجرد مساحة مغطاة بالجليد، بل أكبر جزيرة فى العالم، تقع عند تقاطع ثلاث دوائر استراتيجية: القطب الشمالى، شمال الأطلسى، والممرات البحرية الجديدة التى يفتحها ذوبان الجليد. هذا التحول المناخى، الذى يُنظر إليه عادة بوصفه تهديدًا، حوّل المنطقة القطبية إلى ساحة تنافس دولى محتدم، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية والأمنية.
ترامب ينظر إلى الجغرافيا بعين رجل الأعمال أكثر من الدبلوماسى. الأرض بالنسبة له أصل استراتيجى، والسيادة مسألة قوة لا نصوص قانونية. عندما اقترح عام ٢٠١٩ «شراء» جرينلاند، سخر كثيرون من الفكرة، ورفضتها الدنمارك رسميًا. لكن الخطأ كان فى قراءة الفكرة كنكتة سياسية، لا كمؤشر على عقلية ترى أن النفوذ يمكن توسيعه بوسائل غير تقليدية، وأن الزمن يعمل لصالح من يسبق الآخرين إلى المواقع الحاسمة.
أهمية جرينلاند تتضاعف إذا نظرنا إلى تحركات القوى الكبرى. روسيا عززت خلال السنوات الأخيرة وجودها العسكرى فى القطب الشمالى، وطورت قواعد وبنى تحتية وموانئ، بينما وسّعت الصين استثماراتها فى البحث العلمى والمعادن النادرة، وقدّمت نفسها بوصفها «دولة قريبة من القطب». هذا التقدم يثير قلق واشنطن، وخصوصًا تيار «أمريكا أولًا» الذى يرى فى أى فراغ استراتيجى فرصة ضائعة أو تهديدًا مباشرًا.
فى هذا السياق، تصبح جرينلاند أكثر من مجرد إقليم تابع للتاج الدنماركى يتمتع بحكم ذاتى. إنها منصة إنذار مبكر، ونقطة ارتكاز عسكرية، وخزان موارد محتمل فى عالم يتجه نحو صراعات الموارد والممرات. ورغم رفض كوبنهاجن المساس بالسيادة، فإن اعتمادها الأمنى على حلف حلف شمال الأطلسى، وعلى الولايات المتحدة تحديدًا، يضعها فى موقع تفاوضى معقد.
أما سكان جرينلاند أنفسهم، فيقفون بين رغبة متزايدة فى الاستقلال، وحاجة ملحّة إلى الاستثمارات والتنمية، وخشية من التحول إلى ساحة صراع بين الكبار. وهنا تحديدًا قد يجد ترامب مدخلًا: نفوذ اقتصادى واستثمارى واسع، يسبق أى حديث صريح عن السيادة أو الترتيبات القانونية.
جرينلاند قد لا تُشترى بالمعنى الحرفى، لكن توسيع النفوذ الأمريكى فيها ليس سيناريو خياليًا. فى عالم تتآكل فيه القواعد القديمة، وتعود فيه الجغرافيا لاعبًا أساسيًا، تبدو الجزيرة المتجمدة هدفًا دافئًا فى حسابات ترامب. ليست المسألة جزيرة بقدر ما هى نموذج لعالم جديد، تُعاد فيه صياغة النفوذ بوضوح فجّ، دون كثير من المجاملات الدبلوماسية، هى نموذج لعالم ما بعد القواعد القديمة، حيث تعود الجغرافيا لتفرض نفسها، وحيث تُعاد صياغة النفوذ بعيدًا عن الشعارات الليبرالية. ترامب هنا لا «يخترع» هذا العالم، لكنه يتعامل معه بوضوح فظ، دون أقنعة دبلوماسية.