البقاء للأذكى

البقاء للأذكى

البقاء للأذكى

 العرب اليوم -

البقاء للأذكى

بقلم : عبد اللطيف المناوي

لم يعد الذكاء الاصطناعى مجرد أداة لتحسين الكفاءة أو خفض التكاليف، بل أصبح قوة تاريخية تعيد تشكيل العالم كما نعرفه. نحن لا نعيش مرحلة «تطور مهنى»، بل لحظة فاصلة تُعاد فيها صياغة مفهوم الوظيفة ذاته: لماذا وُجدت؟ لمن؟ وما القيمة الحقيقية للإنسان داخلها؟ فى هذا العالم الجديد، لا مكان للثبات، ولا ضمان للاستمرار إلا بالقدرة على التكيّف.

خلال عقود، بُنى الاقتصاد العالمى على فكرة واضحة، النمو يعنى التوسع، والتوسع يعنى توظيف المزيد من البشر. هذه المعادلة بدأت فى الانهيار. الشركات الكبرى، من التكنولوجيا إلى البنوك، ومن الإعلام إلى الاستشارات، تكتشف اليوم أن الذكاء الاصطناعى يفصل النمو عن التوظيف. يمكن للشركة أن تتضاعف قيمتها السوقية، وأن توسّع أعمالها عالميًا، دون أن تضيف موظفين، بل أحيانًا وهى تقلّص عددهم.

ما يحدث داخل شركة ماكنزى ليس استثناءً، بل علامة. شركة تُعدّ من أذكى العقول المؤسسية فى العالم، وتُعرف بقدرتها على استشراف الاتجاهات، قررت إعادة تشكيل نفسها، لا لأنها فشلت، بل لأنها فهمت أن النمو بالشكل القديم لم يعد صالحًا. الرسالة الضمنية هنا أقوى من أى بيان رسمى، حتى من يملك المعرفة، إن لم يُغيّر بنيته، سيتراجع.

لكن القصة أوسع من الاستشارات. فى الإعلام، تختفى وظائف كاملة كانت تُعدّ أساسية، محررو الأخبار الأولية، فرق التفريغ، باحثو الأرشيف. فى المحاسبة والقانون، تتقلص أدوار التحليل الروتينى والمراجعة التقليدية. فى التعليم، لم يعد نقل المعرفة هو الوظيفة، بل توجيه الفهم وبناء التفكير النقدى. حتى فى الطب، بدأت الخوارزميات تنافس فى التشخيص الأولى وقراءة صور الاشعة.

المشترك بين كل هذه القطاعات ليس «الأزمة»، بل إعادة توزيع القيمة. الذكاء الاصطناعى لا يقضى على الإنسان، لكنه يُقصى الإنسان الذى لا يضيف ما لا تستطيع الآلة تقديمه. الوظائف التى تعتمد على التكرار، التنفيذ، أو النقل الحرفى للمعلومة، أصبحت فى مرمى الاستبدال. أما الأدوار التى تقوم على الحكم، والمسؤولية الأخلاقية، والربط بين المعطيات، وفهم البشر والسياقات، فهى التى ستزداد أهمية، لا العكس.

الخطر الحقيقى لا يكمن فى الذكاء الاصطناعى، بل فى الإنكار. إنكار المؤسسات التى تؤجل التغيير خوفًا من الصدمة الاجتماعية، وإنكار الأفراد الذين يراهنون على خبراتهم القديمة باعتبارها «كافية». التاريخ الاقتصادى لا يرحم هذه الفئة. من لم يتعلّم فى الثورة الصناعية خرج من السوق. ومن لم يتقن الرقمنة فى التسعينيات تراجع. واليوم، من لا يعيد تعريف نفسه فى عصر الذكاء الاصطناعى، سيكون خارج المعادلة.

العالم الجديد لا يكافئ الأقدم، ولا الأكبر، ولا حتى الأكثر ذكاء بالمعنى التقليدى. هو يكافئ الأكثر مرونة. القادر على التعلّم السريع، وإعادة التموضع، وتقبّل أن الوظيفة ليست هوية ثابتة، بل دور متغير.

فى هذا السياق، ماكينزى وغيرها من الأسماء الكبيرة ليست قصة عن تسريحات أو إعادة هيكلة، بل مرآة.. مرآة تعكس حقيقة صادمة فى عصر الذكاء الاصطناعى، البقاء ليس للأقوى بل للأقدر على التغيّر.

arabstoday

GMT 03:47 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

احتفلوا بقاتله

GMT 03:46 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

أفلام حكومية.. “عطلة 3 أيام”

GMT 03:45 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

لغز اغتيال سيف…

GMT 03:43 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

ثلاث “ساعات” حاسمة: طهران.. واشنطن.. تل أبيب

GMT 03:41 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

الشرع بعيون لبنانية

GMT 03:40 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عبلة كامل... فصاحة الصَّمت

GMT 03:39 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عندما لا تشبه النتائج السياسات

GMT 03:38 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

التهمة: مُزعجٌ مثل «ذبابة الخيل»

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البقاء للأذكى البقاء للأذكى



إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ العرب اليوم

GMT 22:46 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

مقتل 4 أشخاص في غارات إسرائيلية جنوب لبنان
 العرب اليوم - مقتل 4 أشخاص في غارات إسرائيلية جنوب لبنان

GMT 18:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع
 العرب اليوم - توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع

GMT 07:01 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

6 شهداء في عدوان إسرائيلي مستمر على غزة

GMT 20:26 2026 الجمعة ,06 شباط / فبراير

4 فوائد لتناول الزبادى على السحور يوميا

GMT 06:23 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 19:40 2026 الجمعة ,06 شباط / فبراير

النصيري يقود النمور وغياب رونالدو عن العالمي

GMT 02:44 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

لماذا غاب الإسرائيليون عن قوائم إبستين؟!
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab