إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

 العرب اليوم -

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى لحظات التحول الكبرى لا تنهار أو تتغير المفاهيم دفعة واحدة، بل تتآكل وتتكيف بهدوء حتى تصبح غير قادرة على تفسير الواقع أو توجيه الفعل. هذا بالضبط ما يحدث اليوم مع مفهوم «الأمن القومى العربى» بصيغته التقليدية. فالفكرة التى قامت لعقود على افتراض وجود تهديدات مشتركة وأولويات موحدة، تبدو اليوم عاجزة عن تفسير مشهد إقليمى تتباين فيه المخاطر، وتتعدد فيه مراكز القرار، وتختلف فيه تعريفات الخطر ذاته.

المشكلة لم تعد فى غياب التهديد، بل فى اختلاف إدراكه. ما تعتبره دولة تهديدًا وجوديًا لا يحتمل التأجيل، قد تراه دولة أخرى ملفًا تفاوضيًا أو حتى فرصة سياسية. هذا التباين لم يعد أمرًا هامشيًا، بل أصبح السمة الأساسية للنظام الإقليمى العربى. ومن هنا فإن الاستمرار فى التعامل مع الأمن العربى بوصفه كتلة واحدة متجانسة لم يعد فقط غير دقيق، بل أصبح معيقًا لأى تفكير استراتيجى جاد.

الواقع يشير إلى أن الأمن فى العالم العربى يتشكل فعليًا عبر دوائر متعددة، لكل منها منطقها الخاص. فى الخليج، يتخذ الأمن طابعًا مباشرًا وحادًا، حيث ترتبط التهديدات بالصواريخ والطاقة والممرات البحرية، ما يجعل مفهوم «الردع» هو الإطار الحاكم. فى المشرق، الصورة أكثر تعقيدًا، إذ يتداخل الأمن الداخلى مع الخارجى، وتتقاطع فيه الدولة مع الفاعلين غير الدوليين، وتصبح الشرعية السياسية جزءًا من معادلة الأمن. أما فى المغرب العربى، فإن التهديدات تميل جنوبًا، نحو الحدود المفتوحة، والهجرة، والإرهاب العابر، ما يخلق تصورًا مختلفًا للأمن يرتبط بالجغرافيا بقدر ما يرتبط بالسياسة.

هذا التعدد لا يعنى بالضرورة التفكك، لكنه يكشف عن خلل أعمق فى طريقة التفكير. فالإصرار على خطاب وحدوى لا يعكس الواقع يؤدى إلى نتائج عكسية، تنسيق ضعيف، استجابات متباينة، وعجز عن بناء سياسات فعالة. بمعنى آخر، المشكلة ليست فى تعدد التهديدات، بل فى محاولة إنكار هذا التعدد.

هنا تبرز أهمية إعادة تعريف الأمن، ليس كمفهوم ثابت، بل كعملية إدراك سياسى. التهديد لا يكون تهديدًا فقط لأنه موجود، بل لأنه يُعرَّف كذلك داخل منظومة صنع القرار. هذه الحقيقة تفسر كيف يمكن أن تتعايش فى الإقليم رؤى متناقضة حول نفس القضية، دون أن يكون أحدها بالضرورة «خاطئًا» بالمعنى المطلق. إنها مسألة زاوية نظر، لا مجرد معطيات.

إذا طبقنا هذا الفهم على التطورات الجارية، تتضح الصورة أكثر. التوتر فى الممرات البحرية، مثلًا، يُقرأ فى بعض العواصم كخطر مباشر على بقاء الدولة واقتصادها، بينما يُنظر إليه فى عواصم أخرى كجزء من لعبة توازنات أوسع بين قوى دولية وإقليمية. كذلك فإن تحولات موازين القوى فى ساحات مثل لبنان أو العراق لا تُفهم فقط كأحداث محلية، بل كإعادة ترتيب داخل «دوائر أمنية» أوسع، لكل منها حساباته الخاصة.

فى ظل هذا الواقع، السؤال ليس كيف نعيد إنتاج مفهوم موحد للأمن، بل كيف نبنى نموذجًا قادرًا على إدارة هذا التعدد؟.. وهذه زاوية تحتاج إلى قراءة أعمق.

 

 

arabstoday

GMT 06:48 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

رياح هادئة من سوريا

GMT 06:45 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

حياة الفهد... وحياة الذاكرة

GMT 06:44 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

الوسط المستحيل في لبنان

GMT 06:25 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

إشكاليات الأمن الإقليمي

GMT 06:23 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

خطأ ستارمر كشف أخطاء

GMT 06:20 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

عبقرية الحسابات العمياء

GMT 06:20 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

استدعاء باكستان

GMT 06:18 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

المواجهة بين الحافة والصفقة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى» إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»



تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - العرب اليوم

GMT 04:25 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

محمد رمضان يتألق في أحدث ظهور له من باريس
 العرب اليوم - محمد رمضان يتألق في أحدث ظهور له من باريس

GMT 05:40 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

بريطانيا تعتزم حظر الهواتف المحمولة في المدارس
 العرب اليوم - بريطانيا تعتزم حظر الهواتف المحمولة في المدارس

GMT 01:10 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

3 شهداء في قصف إسرائيلي على غزة

GMT 07:40 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

نيران إسرائيلية صديقة!
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab