بقلم : عبد اللطيف المناوي
استقالة جو كينت، مدير المركز الوطنى لمكافحة الإرهاب، ليست مجرد واقعة بيروقراطية عابرة داخل إدارة الرئيس ترامب، بل لحظة كاشفة لما يدور تحت سطح القرار الأمريكى فى حربه مع إسرائيل ضد إيران. أهميتها تكمن فى دلالاتها أكثر من تأثيرها المباشر، فهى تعكس انقسامًا حقيقيًا، لكنها لا تشير، حتى الآن، إلى تحول فعلى فى موازين القوة داخل الإدارة أو الكونجرس.
كينت ليس موظفًا عاديًا، بل يجمع بين الخبرة العسكرية والاستخباراتية، وله سجل من الانخراط المباشر فى حروب أمريكا. حين يعلن رجل بهذه الخلفية أنه «لا يستطيع بضمير حى دعم الحرب»، فإن ذلك يتجاوز الموقف الشخصى إلى إدانة ضمنية لمسار استراتيجى كامل. والأهم أنه لا يكتفى بالاعتراض، بل يضع الحرب نفسها فى إطار مختلف «ليست حربًا فرضتها الضرورة، بل هى حرب دفعتها ضغوط إسرائيل واللوبى الاسرائيلى».
هنا تكمن النقطة الأكثر حساسية فى استقالة كينت. فهو لا يناقش الأسلوب، بل يطعن فى المنطق الذى بُنى عليه القرار. إذ يشكك فى وجود تهديد إيرانى وشيك، ويقارن المسار الحالى بتجربة حرب العراق، بإنتاج رواية سياسية وإعلامية تُقنع صانع القرار بواقع غير موجود. هذه المقارنة ليست مجرد استعارة تاريخية، بل اتهام ثقيل بأن أمريكا قد تكون بصدد تكرار أحد أكثر أخطائها الاستراتيجية.
ولكن، قراءة الاستقالة بوصفها بداية تمرد داخلى قد تكون مبالغًا فيها. فحتى الآن، لا يوجد ما يشير إلى أن موقف كينت تحول إلى تيار داخل الإدارة. رد فعل ترامب نفسه، الذى وصفه بالضعف، لم يكن دفاعيًا أو مرتبكًا، بل عكس ثقة بأن هذا الصوت المعترض لن يغير المسار. وهذه الثقة ليست بلا أساس، فالرئيس لايزال يتمتع بهامش واسع من الدعم داخل مؤسسات القرار، سواء فى البيت الأبيض أو فى الكونجرس، خاصة فيما يتعلق بإدارة الحرب.
لكن الاستقالة تظل مهمة لأنها تكشف عن صراع أعمق داخل الإدارة. فالمعلومات المتداولة تشير إلى وجود جناحين، أحدهما يدفع نحو إنهاء سريع للحرب لتجنب كلفتها الاقتصادية والسياسية، والآخر يرى ضرورة الاستمرار لتحقيق «نصر كامل». استقالة كينت تبدو التعبير الأكثر وضوحًا عن هذا الانقسام، لكنها لاتزال تعبيرًا فرديًا، لا تحالفًا مؤسسيًا.
خطاب كينت يعيد إحياء سؤال جوهرى، ما تعريف النصر فى هذه الحرب؟. فحين يُحذر من وهم «النصر السريع»، فهو لا يعارض الحرب فقط، بل يشكك فى الهدف ذاته.
إشارته إلى فقدان زوجته فى حرب يراها «مصنوعة» يمنح موقفه بعدًا إنسانيًا نادرًا فى لغة الأمن القومى. هذا البعد لا يغير القرار السياسى، لكنه يعيد التذكير بأن الحروب ليست مجرد معادلات استراتيجية، بل تجارب إنسانية قاسية تُعاد كتابتها كل مرة بأسماء جديدة.
الاستقالة تمثل جرس إنذار أكثر منها نقطة تحول، وتضيف سؤالًا جديدًا إلى الأسئلة التى ستُطرح لاحقًا، كيف بدأت الحرب، ولماذا استمرت، ومن حاول إيقافها ولم يُستمع إليه؟