بقلم : عبد اللطيف المناوي
منذ تولى الرئيس ترامب السلطة فى يناير ٢٠٢٥، لم تكن العلاقة مع الإعلام علاقة متوترة بالمعنى التقليدى فقط، بل أخذت مسارًا أكثر عمقًا وخطورة. ما بدأ كخطاب سياسى حاد تجاه الصحافة، تطور تدريجيًا إلى نمط متكامل من الضغط، بلغ ذروته مع اندلاع الحرب مع إيران فى نهاية فبراير، حين لم يعد السؤال هو: كيف تغطى وسائل الإعلام الحرب؟، بل: هل يُسمح لها أصلًا أن تغطيها خارج الرواية الرسمية؟.
فى الأسابيع الأولى من الإدارة، ظهرت الإشارات الأولى لهذا التحول عبر أدوات تنظيمية تبدو فى ظاهرها تقنية. لكنها كانت رسالة مبطنة إلى المؤسسات الإعلامية الكبرى بأن قواعد اللعبة يمكن إعادة تعريفها فى أى وقت، وأن المساحة التى تتحرك فيها الصحافة ليست ثابتة كما كانت.
ثم تطور الأمر سريعًا إلى استخدام التحقيقات التنظيمية كوسيلة ضغط. فتح ملفات ضد برامج إعلامية، وإثارة تساؤلات حول توازن التغطية، وإشارات متكررة إلى إمكانية مراجعة التراخيص. هذه الخطوات أدت إلى خلق بيئة من الترقب داخل المؤسسات الإعلامية، حيث أصبح الخوف من العقاب التنظيمى جزءًا من حسابات التحرير اليومية.
لكن التحول الحقيقى جاء مع الحرب على إيران.. هنا، لم تعد الضغوط غير مباشرة أو مغلفة بلغة قانونية، بل أصبحت صريحة وواضحة. الرسالة التى خرجت من دوائر القرار كانت بسيطة ومباشرة، غطوا الحرب كما نراها نحن، أو تحملوا العواقب. لم يعد الحديث يدور حول المهنية أو التوازن، بل حول الالتزام بالرواية الرسمية فى لحظة صراع.
هذا التحول نقل العلاقة بين السلطة والإعلام من مستوى التوتر السياسى إلى مستوى أكثر حساسية، ربط التغطية الإعلامية بالوطنية. فالمؤسسات التى لا تتبنى الخطاب الرسمى تُقدَّم، ضمنيًا أو صراحة، على أنها تُضعف الموقف الأمريكى أو تخدم روايات الخصوم. وفى زمن الحرب، يصبح هذا الاتهام أكثر خطورة، لأنه لا يستهدف فقط المصداقية المهنية، بل يطعن فى الانتماء نفسه.
الأخطر من ذلك أن هذه الاستراتيجية لا تحتاج إلى تنفيذ كامل كى تكون فعالة. فالتاريخ القريب يوضح أن مجرد التهديد كافٍ لإحداث ما يُعرف بـ«الأثر المهدئ» على الصحافة. تبدأ المؤسسات الإعلامية فى تعديل سلوكها مسبقًا، تخفيف العناوين، تأجيل التحقيقات، تقليل المساحات النقدية. ليس لأن هناك قرارًا مباشرًا بإسكاتها، بل لأن تكلفة المواجهة أصبحت مرتفعة.
ما نشهده منذ يناير، وتحديدًا منذ اندلاع الحرب مع إيران، ليس مجرد تصعيد فى لهجة الخطاب تجاه الإعلام، بل إعادة صياغة للعلاقة بين السلطة والصحافة. علاقة تقوم أقل على التوتر المشروع بين الطرفين، وأكثر على محاولة ضبط المجال الإعلامى ضمن حدود مقبولة سياسيًا.
لا تُختبر حرية الإعلام فى أوقات الاستقرار، بل فى لحظات الأزمات. والسؤال: إلى أى مدى يمكن أن يستمر هذا التوازن الهش بين متطلبات الأمن القومى وحق الجمهور فى المعرفة؟