استعمار بريطانيا

استعمار بريطانيا

استعمار بريطانيا

 العرب اليوم -

استعمار بريطانيا

بقلم : عبد اللطيف المناوي

لم تكن عبارة «بريطانيا استُعمرت من قبل المهاجرين» مجرد تعليق عابر لرجل أعمال ثرى، بل تحولت إلى لحظة سياسية كاشفة عن تغير أعمق فى المزاج العام داخل بريطانيا وأوروبا. فالتصريحات التى أطلقها الملياردير البريطانى جيم راتكليف، الشريك فى ملكية نادى مانشستر يونايتد، أثارت عاصفة من الانتقادات السياسية والإعلامية، دفعت رئيس الوزراء كير ستارمر إلى إدانتها واعتبارها «مسيئة وخاطئة» وتهدد التماسك الاجتماعى. لكن ما جرى لا يمكن قراءته فقط بوصفه صداماً بين رجل أعمال ورئيس حكومة، بل هو تعبير عن لحظة أوروبية تتغير فيها اللغة السياسية نفسها. «راتكليف» ربط بين ارتفاع أعداد المهاجرين ووجود «تسعة ملايين شخص يعيشون على الإعانات»، معتبراً أن هذا المزيج «يكلف الاقتصاد كثيراً». ورغم أن مكتب الإحصاءات الوطنية دحض جزءاً من أرقامه، فإن جوهر الجدل لم يكن إحصائياً بقدر ما كان لغوياً ورمزياً. استخدام كلمة «استعمار» فى توصيف الهجرة ليس محايداً، فهو مصطلح مشحون تاريخياً وأيديولوجياً، يتردد كثيراً فى خطاب اليمين المتطرف الأوروبى لوصف المهاجرين باعتبارهم «غزاة» أو تهديداً ديموغرافياً. رد الفعل الرسمى جاء سريعاً. ستارمر شدد على أن بريطانيا «بلد فخور ومتسامح ومتنوع»، وأن مثل هذا الخطاب يخدم من يريد تقسيم المجتمع. وزيرة المالية وصفت التعليقات بأنها «غير مقبولة». مجموعات مشجعى مانشستر يونايتد، خاصة رابطة المشجعين المسلمين، رأت أن لغة «راتكليف» تضفى شرعية على خطاب الكراهية. المفارقة أن الفريق الذى يملك فيه الرجل حصة مؤثرة يعتمد على لاعبين وموظفين من خلفيات دولية متعددة، ما يعكس الطابع الكونى الذى قامت عليه كرة القدم الإنجليزية الحديثة. غير أن الأهم من الجدل الأخلاقى هو ما تكشفه هذه الواقعة عن تغير فى المناخ الأوروبى. بريطانيا، التى كانت تُقدَّم طويلاً باعتبارها ملاذاً آمناً للمهاجرين وواحدة من أكثر المجتمعات انفتاحاً، تعيش منذ «بريكست» تحولات عميقة فى تعريفها لهويتها وحدودها. الهجرة أصبحت محوراً مركزياً فى السياسة البريطانية، كما فى ألمانيا وفرنسا وإيطاليا. أحزاب يمينية وشعبوية صعدت مستفيدة من قلق الطبقات الوسطى والعمالية بشأن الوظائف، والخدمات العامة، والهوية الثقافية. «راتكليف»، الذى يقيم فى موناكو منذ عام ٢٠٢٠ لأسباب ضريبية، ليس سياسياً حزبياً، لكنه يعكس صوت شريحة من النخبة الاقتصادية التى ترى أن نموذج الدولة الاجتماعية لم يعد قابلاً للاستمرار فى ظل ضغوط الهجرة والإنفاق العام. فى الوقت نفسه، يعكس الهجوم عليه حساسية متزايدة تجاه اللغة التى يمكن أن تُفسَّر كتحريض أو تبسيط مخلّ لقضايا معقدة. فالهجرة فى بريطانيا، كما تظهر البيانات الرسمية، ساهمت فى سد فجوات سوق العمل، خاصة فى الصحة والرعاية والخدمات، لكنها أيضاً فرضت تحديات على البنية التحتية والإسكان والخدمات. المفارقة أن «راتكليف» تراجع جزئياً لاحقاً، معرباً عن أسفه «لاختيار الكلمات» التى سببت قلقاً، ومؤكداً أهمية «الهجرة المنظمة والفعالة». هذا التراجع يكشف إدراكاً بأن حدود الخطاب العام فى بريطانيا لا تزال قائمة حتى فى ظل تغير المزاج، فالنقاش حول الهجرة مشروع، لكن تحويله إلى استعارات استعمارية يفتح الباب أمام استقطاب خطير.

arabstoday

GMT 08:49 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

حرب السودان ومخطط شد الأطراف

GMT 08:41 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

ظروف الحروب ودروس التاريخ

GMT 08:39 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

يوم تهاوت المباني وصمدت التماثيل!

GMT 08:35 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

من يدفع الفاتورة

GMT 08:31 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

«النخب» الليبية وديمومة الخلاف والاختلاف

GMT 08:24 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

أطول 5 أيام

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

استعمار بريطانيا استعمار بريطانيا



إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - العرب اليوم

GMT 03:31 2026 الثلاثاء ,24 آذار/ مارس

كيفية يناء علاقة قوية رغم اختلاف الأبراج

GMT 03:26 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

صواريخ من لبنان تضرب كريات شمونة شمال إسرائيل
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab