بقلم : عبد اللطيف المناوي
هناك مدن يمكن وصفها بالكلمات، ومدن أخرى يصعب اختزالها فى وصف عابر. وباكو، عاصمة أذربيجان، تنتمى بوضوح إلى الفئة الثانية. هى مدينة لم يخطئ من وصفها بأنها «مذهلة»، بسبب تلك القدرة النادرة على الجمع بين عالمين مختلفين دون أن يبدو التناقض بينهما مصطنعًا، تقف العمارة التاريخية العميقة الجذور شامخة، كأنها تروى قصة مدينة عبرت قرونًا من التحولات السياسية والاقتصادية والثقافية.. فى نفس الوقت ترتفع الأبراج الزجاجية الحديثة، والمبانى ذات التصميمات الجريئة التى تنتمى بوضوح إلى القرن الحادى والعشرين. ويبدو المشهد كحوار هادئ بينهما. إنه تزاوج طبيعى بين عمارة تاريخية قوية وجميلة، وعمارة حديثة طموحة، ينتج عنه مشهد حضرى ملهم بالفعل.
لكن المفارقة أن هذه المدينة الهادئة نسبيًا، التى تبدو كأنها جسر بين العصور، تقع أيضًا على تخوم واحدة من أكثر مناطق العالم توترًا. فباكو ليست بعيدة عن إيران، بل تقف عمليًا على حدودها الجغرافية والسياسية. وقد عرفت هذه المنطقة فى الأشهر الأخيرة توترات لم تكن بعيدة عن أجواء الصراع الإقليمى. ولم تسلم تمامًا من صواريخ إيران، وإن كانت محدودة. لكنها كانت كافية لتذكير الجميع بأن الجغرافيا فى هذه المنطقة لا تسمح لأى مدينة بأن تعيش خارج سياق الصراعات الكبرى التى تحيط بها.
ولعل هذه المفارقة هى ما يمنح المنتدى الذى يُعقد هنا أهمية خاصة.. فأن يجتمع سياسيون سابقون، وخبراء اقتصاد، وباحثون فى العلوم والسياسات الدولية، فى مدينة تقع على حافة هذه التوترات، يجعل الحوار أكثر واقعية، وربما أكثر إلحاحًا.
من الواضح أن المشاركين يمثلون ما يمكن وصفه بـ «ذاكرة الخبرة» فى السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية. كثيرون منهم لم يعودوا يشغلون مواقع رسمية فى السلطة، لكنهم يحملون خبرة سنوات طويلة فى الحكم وصنع القرار.
وهذا التفصيل ليس ثانويًا، فحين يغادر السياسيون مواقعهم الرسمية، يتحرر كثير منهم من الحسابات الحزبية أو الانتخابية. يصبحون، إلى حد ما، أكثر قدرة على التفكير بصوت عالٍ، وأكثر استعدادًا لقول ما لا يمكن قوله داخل المؤسسات الرسمية.
لهذا عندما سألتنى مراسلة تلفزيونية خلال المنتدى سؤالًا مباشرًا:
هل يمكن لمثل هذه المنتديات أن تكون مفيدة فعلًا؟
أجبتها بأن قيمة مثل هذه اللقاءات تكمن فى طبيعة العقول التى تجتمع فيها. هنا يجلس أشخاص خبروا السياسة من داخلها، والاقتصاد من قلب مؤسساته، والعلوم من مختبراتها ومراكزها البحثية. معظمهم يحمل لقب «سابق»، وهذا اللقب، على عكس ما قد يبدو، يمنحهم شيئًا ثمينًا، قدرًا من الحرية.
إنهم لم يعودوا أسرى للقرار السياسى المباشر، ولا مضطرين للدفاع عن سياسات حكوماتهم.. لذلك يستطيعون أن يتحدثوا بقدر أكبر من الصراحة، وأن يقدموا رؤى قد لا تكون ممكنة داخل المؤسسات الرسمية.
لكن هذه الحقيقة تقودنا إلى السؤال الأهم: هل يوجد عاقل فى موقع السلطة مستعد لأن يسمع صوت الحكمة؟