بقلم : عبد اللطيف المناوي
كما ذكرنا أمس فن الاتحاد الأوروبى فيمثل الحضور الغائب ويعانى المأزق الصامت فى محاولات إدارة غزة، القطاع أو الأزمة.
فى قلب هذا المشهد، يقف الاتحاد الأوروبى فى ورطة حقيقية.. من جهة، لا يستطيع معارضة المسار الأمريكى علنًا، ولا الدخول فى مواجهة مفتوحة مع ترامب فى ملف شديد الحساسية..
ومن جهة أخرى، يدرك أن ترك غزة تُدار بالكامل وفق منطق أمريكى ـ إقليمى قد يهمش الدور الأوروبى، ويعيد تشكيل شرق المتوسط دون مشاركة بروكسل.
الاستراتيجية الأوروبية تبدو حتى الآن قائمة على «الدعم الصامت»، تمويل، مساعدات، غطاء إنسانى، دون اشتباك سياسى مباشر.. لكن هذه المقاربة تحمل مخاطر واضحة؛ فغياب موقف أوروبى صلب قد يترك فراغًا سياسيًا تملؤه الترتيبات المؤقتة، ما يجعل أوروبا شريكًا فى إدارة الأزمة، لا فى حلها.
اما اللجنة الفلسطينية فإنها تواجه مصيرا ما بين الواقعية والقيود. إعلان اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة، برئاسة على شعث، ومحاولة تقديمها كجسم فلسطينى تكنوقراطى مستقل، يمثل محاولة لكسر ثنائية «حماس أو الاحتلال». غير أن نجاح هذه اللجنة مرهون بثلاثة شروط صعبة، استمرار وقف إطلاق النار، فتح المعابر، ومنحها سلطة حقيقية لا شكلية.
الخطاب الفلسطينى الرسمى ركّز على إعادة الإعمار، التعليم، العلاج، وفرص العمل، وهى أولويات إنسانية لا خلاف عليها. لكن التجربة التاريخية فى غزة تقول إن أى إدارة مدنية بلا أفق سياسى وبلا ضمانات أمنية دولية ستظل هشّة، وقابلة للانهيار عند أول تصعيد.
الانطباع العام أن تشكيل اللجنة التنفيذية ومجلس السلام ليس وهمًا كاملًا، لكنه أيضًا ليس اختراقًا استراتيجيًا. هو خطوة إلى الأمام على مستوى إدارة الكارثة، لكنه لا يكسر الدائرة المغلقة للصراع، الاحتلال، غياب الحل السياسى، والانقسام الفلسطينى.
ترامب لا يسعى إلى حل جذرى، بل إلى «استقرار قابل للإدارة». إسرائيل لا تريد إدارة دولية بل سيطرة كاملة. الفلسطينيون يريدون حياة طبيعية، لكن دون أن يكونوا مجرد ملف إنسانى دائم. وبين هذه المسارات المتقاطعة، تتحرك غزة مرة أخرى كحقل تجارب للنوايا الدولية.
السؤال الحقيقى لم يعد من يدير غزة؟ بل، هل تُدار غزة إلى حين، أم تُفتح الطريق أخيرًا لكسر الحلقة التى تعيد إنتاج الحرب كل بضع سنوات؟
حتى الآن، المؤشرات تقول إننا ما زلنا داخل الدائرة، لكن هذه المرة بجدران أكثر نعومة، وأسماء أكثر بريقًا.
كل ما نراه يؤكد أن ما يحدث هو إدارة انتقالية مُحكمة أكثر منه حلًا نهائيًا. قد ينجح فى تثبيت وقف النار، وتنظيم الإغاثة، وبدء إعمارٍ مضبوط، وربما تفكيك بعض مصادر العنف. لكنه لن يصبح سلامًا. على الأقل فى المستقبل المنظور.