التصفيق بديلاً للتفكير

التصفيق بديلاً للتفكير

التصفيق بديلاً للتفكير

 العرب اليوم -

التصفيق بديلاً للتفكير

بقلم : عبد اللطيف المناوي

بعد خطاب «حالة الاتحاد» الذى ألقاه دونالد ترامب فى الكونجرس، لم يكن الحدث مجرد مناسبة دستورية سنوية، بل لحظة كاشفة لحالة أعمق تعيشها الديمقراطية الأمريكية، وأظن الديمقراطيات الغربية عموماً. أطول خطاب فى التاريخ الحديث، وأعلى منسوب تصفيق حزبى، ومشهد برلمانى بدا أقرب إلى عرض تعبوى منه إلى ساحة مساءلة. هنا يبرز السؤال الكبير: هل أصبحت الشعبوية قدَراً سياسياً للعالم، أم أننا نعيش مرحلة انتقالية قابلة للتصحيح؟.

ما جرى داخل القاعة لم يكن مجرد حماسة سياسية، كان استعراضاً متبادلاً.. رئيس يتقن مخاطبة الغرائز الجمعية، وأغلبية تصفق بإيقاع شبه احتفالى.. فى مشهدٍ ذكّر كثيرين بممارسات برلمانات فى أنظمة تُتهم بأنها «ديمقراطيات شكلية». المفارقة أن هذا يحدث فى أقدم الديمقراطيات المعاصرة، حيث يفترض أن يكون الكونجرس مكانا للنقاش العقلانى لا مسرحاً للتأييد الجماعى.

الشعبوية هنا ليست مجرد خطاب حاد أو وعود مبسطة، إنها أسلوب حكم. تقوم على اختزال التعقيد فى عبارات صادمة، وتحويل السياسة إلى صراع أخلاقى بين «شعب نقى» و»نخبة فاسدة»، وتقديم الزعيم بوصفه المعبّر الحصرى عن الإرادة الشعبية. فى خطاب ترامب، ظهرت هذه العناصر بوضوح، اتهام الخصوم بأنهم يريدون «الغش»، تصوير أمريكا كضحية استغلال داخلى وخارجى، وطرح حلول تبدو مباشرة وسريعة فى مواجهة قضايا شديدة التعقيد. لكن السؤال الأعمق لا يتعلق بترامب وحده. فالشعبوية لم تعد استثناءً أمريكياً. من أوروبا الشرقية إلى أمريكا اللاتينية، ومن بعض دول آسيا إلى قلب الغرب، نشهد صعوداً لخطاب يستثمر فى القلق الاقتصادى، وفى الخوف من فقدان الهوية، وفى التوترات الثقافية التى غذتها العولمة والهجرة والتحولات الرقمية. إنها ظاهرة عابرة للحدود، مدفوعة بتغيرات جذرية، تراجع الثقة بالمؤسسات، تآكل الطبقة الوسطى، تصاعد دور وسائل التواصل الاجتماعى التى تكافئ الرسائل القصيرة المثيرة لا التحليل المعمق. هل أصبح هذا قدَراً؟. ليس بالضرورة، أو هكذا أتمنى. التاريخ السياسى يُعلمنا أن الموجات الشعبوية غالباً ما تنمو فى لحظات اختلال اقتصادى أو اجتماعى، ثم تتراجع حين تعيد المؤسسات إنتاج شرعيتها. الفرق اليوم أن البيئة الإعلامية الرقمية تضخم الاستقطاب، وتجعل الخطاب الشعبوى أكثر قدرة على الانتشار من أى وقت مضى.

التغيير، إن كان ممكناً، لن يأتى من خطابات مضادة فحسب، بل من معالجة الأسباب العميقة، إعادة بناء الثقة فى المؤسسات، تقديم حلول اقتصادية ملموسة للفئات المتضررة، وإحياء ثقافة سياسية تقوم على النقاش لا الاستعراض. الديمقراطية لا تموت عادة بضربة واحدة، بل تتآكل ببطء حين تتحول من نظام تداول عقلانى للسلطة إلى مسابقة فى إثارة التصفيق.

خطاب ترامب كان علامة على مرحلة، لا نهاية مسار. الشعبوية ليست قدَراً حتمياً، لكنها تصبح كذلك إذا عجزت النخب والمؤسسات عن استعادة المبادرة. السؤال الحقيقى ليس إن كان العالم قد استسلم للشعبوية، بل إن كان قادراً على تجديد ديمقراطيته قبل أن يتحول التصفيق إلى بديل دائم عن التفكير.

arabstoday

GMT 04:52 2026 الإثنين ,11 أيار / مايو

صدق أوباما

GMT 04:49 2026 الإثنين ,11 أيار / مايو

هل انتقلنا من حرب ملحمية إلى حرب محلية؟

GMT 04:26 2026 الإثنين ,11 أيار / مايو

10 سنوات من الترفيه والإبداع

GMT 04:20 2026 الإثنين ,11 أيار / مايو

التليفزيون وفن السينما

GMT 04:18 2026 الإثنين ,11 أيار / مايو

فى انتظار الرد الإيرانى

GMT 04:16 2026 الإثنين ,11 أيار / مايو

الإنترنت ليس رفاهية بل أساس للتقدم

GMT 04:14 2026 الإثنين ,11 أيار / مايو

العام الذى تغير فيه كل شىء!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التصفيق بديلاً للتفكير التصفيق بديلاً للتفكير



شيرين عبد الوهاب تستعيد بريقها بالأحمر في ظهور جديد يعكس الثقة

القاهرة - العرب اليوم
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab