بقلم : عبد اللطيف المناوي
كلما اهتزّ الشرق الأوسط، عاد اسم مضيق هرمز إلى الواجهة كما لو كان جرس إنذار جغرافى. لا يكاد يتصاعد توتر بين إيران وخصومها، أو تشتد أزمة فى الخليج، حتى تبدأ العناوين بالسؤال ذاته: هل يُغلق المضيق؟ ولماذا يلوّح طرف بإغلاقه بينما يسارع آخر للتحذير من العواقب الكارثية لأى خطوة من هذا النوع؟ كأن هذا الشريط البحرى الضيق تحوّل إلى مسرح دائم لعرض القوة والردع.
السبب بسيط ومعقّد فى آن واحد، مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائى، بل هو شريان الطاقة العالمى. عبره يمر ما يقارب خُمس تجارة النفط المنقول بحراً، إضافة إلى كميات هائلة من الغاز الطبيعى المسال.. أى اضطراب فيه لا يرفع منسوب القلق فى العواصم الإقليمية فقط، بل يهزّ الأسواق من طوكيو إلى نيويورك؛ ولهذا يصبح اسمه فوراً مرادفاً لارتفاع الأسعار، حتى لو لم يُغلق فعلياً ولم تُطلق رصاصة واحدة.
بالنسبة لإيران، المضيق ورقة استراتيجية نادرة فى يد دولة تواجه ضغوطاً وعقوبات مزمنة. هى تدرك أنها لا تستطيع مجاراة التفوق العسكرى الأمريكى تقليدياً، لكنها تستطيع تهديد الملاحة عبر أدوات غير متماثلة: ألغام بحرية، زوارق سريعة، صواريخ ساحلية. التلويح بالإغلاق رسالة سياسية قبل أن يكون قراراً عسكرياً، إذا حوصِر اقتصادنا، يمكننا التأثير فى اقتصاد العالم. إنها لغة ردع أكثر منها نية تنفيذ.
لكن فى الوقت ذاته، تعرف طهران أن الإغلاق الكامل سيصيبها أولاً. صادراتها النفطية تمر من المضيق نفسه، وأى تعطيل شامل سيمنح خصومها مبرراً دولياً لتدخل عسكرى واسع؛ لذلك يبقى التهديد فى حدود «القدرة» لا «القرار»، وفى إطار رفع سقف التفاوض لا كسره.
أما الولايات المتحدة، فتتعامل مع المضيق باعتباره خطاً أحمر يرتبط بمبدأ أوسع، حرية الملاحة. وجودها البحرى الدائم فى الخليج رسالة واضحة بأن أى محاولة لإغلاق الممر سيقابلها رد حاسم. لكنها أيضاً لا تسعى إلى مواجهة شاملة ما لم تُفرض عليها. وهكذا يتكوّن توازن هش، تهديد مقابل تحذير، دون تجاوز العتبة التى تفتح باب الحرب.
المفارقة أن الجميع يخسر من الإغلاق. دول الخليج ستُشل صادراتها، إيران ستخسر ورقتها التفاوضية، والاقتصاد العالمى سيدخل صدمة طاقة قد تعيد رسم أولويات السياسة الدولية. حتى الآن لا يمكن القول إن هناك إغلاقا رسميا للمضيق رغم إعلان مسؤولين إيرانيين ذلك، ما يجرى هو استعراض قوة محسوب، ورسائل ردع متبادلة، ومحاولة كل طرف تحسين موقعه فى معادلة تفاوض معقّدة.
مضيق هرمز ليس مجرد جغرافيا، بل اختبار دائم للتوازن بين الردع والمغامرة. يظهر فى كل أزمة؛ لأنه النقطة التى تتقاطع عندها الطاقة بالسيادة، والاقتصاد بالأمن، والهيبة الوطنية بحسابات السوق. الجميع يقترب من الحافة، لكنّ أحداً لا يريد القفز. والسؤال الذى يبقى معلقاً: إلى متى يمكن إدارة الأزمات فوق هذا الشريط الضيق دون أن يتحول التلويح إلى واقع؟.