بقلم : عبد اللطيف المناوي
وكأن المنطقة لا يكفيها ما تعيشه من حرائق سياسية وأمنية حتى يلوح فى الأفق عنصر توتر إضافى، هذه المرة على حدود بحرية تبدو هادئة فى ظاهرها، لكنها تختزن فى ذاكرتها تاريخًا من الانهيارات. تقترب ذكرى تحرير الكويت، ويعود اسم الحدود العراقية - الكويتية إلى العناوين، لا من بوابة استذكار الماضى فحسب، بل عبر خريطة وإحداثيات أودعتها بغداد لدى الأمم المتحدة، أثارت اعتراضًا كويتيًا رسميًا، وقلقًا سعوديًا وإماراتيًا واضحًا، لما تضمنته من مساس بما يُعرف بـ«المنطقة المغمورة المقسومة» المحاذية للمنطقة المقسومة بين السعودية والكويت، ولما اعتُبر تعديًا على مناطق بحرية كويتية مثل فشت القيد وفشت العيج.
البيانات الخليجية جاءت بلغة قانونية محسوبة، تستند إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وإلى قرار مجلس الأمن رقم 833 لعام 1993 الذى حدد الحدود البرية والبحرية بين العراق والكويت بعد الغزو. لم يكن الخطاب انفعاليًا، بل قانونيًا سياديًا، احترام الحدود، الالتزام بالاتفاقيات، معالجة أى خلاف عبر الحوار والقنوات الدبلوماسية. لكن خلف هذه اللغة الهادئة، يكمن إدراك عميق لحساسية الملف، ولأن أى التباس فى الخرائط فى هذه المنطقة تحديدًا لا يُقرأ باعتباره تفصيلًا تقنيًا، بل ذاكرة مفتوحة على جرح لم يندمل بالكامل فى الوعى الخليجى.
الحدود هنا ليست مجرد خطوط فى البحر، بل هى تجسيد لفكرة الدولة ذاتها. منذ 1991، ثم تثبيت الحدود بقرار دولى، سعت المنطقة إلى ترسيخ مبدأ نهائى، لا تعديل بالقوة، ولا إعادة نظر أحادية فيما أقرّه المجتمع الدولى.. ولذلك، فإن أى إيداع لإحداثيات جديدة تُفهم على أنها توسع فى المجال البحرى، حتى لو كان تفسير بغداد أنها ممارسة لحق سيادى أو تصحيح فنى، يثير قلقًا لدى الكويت وحلفائها. المسألة لا تتعلق فقط بمساحات مغمورة أو مرتفعات مائية، بل بثروات طبيعية محتملة، وبحقول غاز ونفط، وبممرات ملاحية حيوية فى خليج شديد الحساسية.
العراق اليوم ليس عراق 1990، وهذه حقيقة ينبغى التوقف عندها بهدوء. الدولة العراقية تعيش مرحلة إعادة بناء داخلى معقدة، وتوازنات سياسية دقيقة، وضغوطًا اقتصادية وأمنية كبيرة. ومن الصعب تصور أن بغداد تسعى إلى مغامرة سياسية تعيدها إلى عزلة دولية أو توتر إقليمى واسع. لكن السياسة ليست فقط نوايا، بل أيضًا إشارات. وفى منطقة مشبعة بالذكريات الثقيلة، قد تتحول الإشارة غير المحسوبة إلى أزمة ثقة.
لكن السؤال الأعمق يتجاوز اللحظة الراهنة: لماذا تبدو خرائط المنطقة قابلة دومًا لإعادة النقاش، بل والانفجار والاشتعال؟ وما السيناريوهات المحتملة؟ وهل ينجح النقاش أو الضغط أو كوابيس الماضى فى إنهاء المشكلة قبل أن تنفجر فى وجوه الجميع؟.. هذه نقاط محل نقاش قادم.