«شروق الشمس» أم غروب السياسة

«شروق الشمس» أم غروب السياسة؟

«شروق الشمس» أم غروب السياسة؟

 العرب اليوم -

«شروق الشمس» أم غروب السياسة

بقلم : عبد اللطيف المناوي

تعود غزة إلى واجهة النقاش الدولى، لا بوصفها مأساة إنسانية، بل باعتبارها «فرصة»، هكذا تُقدَّم الخطة المنسوبة إلى ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر تحت اسم «شروق الشمس». خطة تتحدث عن إعادة إعمار قطاع غزة على مدى عشر سنوات، وتَعِدُ باستثمارات ضخمة، وبنية تحتية عصرية، ومشاركة أمريكية بنحو 20٪ من التكلفة. غير أن ما يبدو شروقًا اقتصاديًا محتملا، يخفى فى طياته غروبًا سياسيًا مقلقًا.

جوهر الإشكالية لا يكمن فى حجم الأموال ولا فى طموح الرسومات الهندسية، بل فى الفلسفة التى تقف خلف المشروع. فغزة تُعاد صياغتها هنا باعتبارها مساحة استثمار، لا قضية سياسية. الإعمار، وفق هذا المنطق، ليس استجابة لدمار أصاب مجتمعًا محاصرًا، بل مدخل لإعادة ترتيب الواقع عبر الاقتصاد، على أمل أن يُنتج الاستقرار لاحقًا. وهى مقاربة قديمة- جديدة، أثبتت التجربة أنها تتعثر كلما تجاهلت سؤال الحقوق والسيادة.

أخطر ما فى الخطة هو الغياب شبه الكامل للفلسطينيين بصفتهم أصحاب الأرض والقرار. يتم تقديم الأمن كشرط مسبق. نزع سلاح، ترتيبات صارمة، وبيئة «نظيفة». لكن السياسة تُؤجَّل. لا إجابة واضحة عن مصير السكان خلال الإعمار، ولا عن شكل الحكم، ولا عن المرجعية القانونية، ولا عن العلاقة مع الضفة الغربية. كأن الفلسطينيين تفصيل لوجستى سيُعالج فى الهامش، لا جوهر المسألة. هذا الصمت يفتح الباب أمام مخاوف حقيقية، هل نحن أمام إعمار مع بقاء السكان، أم إعادة تشكيل ديموغرافى ناعم تحت عنوان التطوير؟ وهل تُستبدل السياسة بإدارة تقنية للأزمة؟.

التمويل بدوره يثير أسئلة لا تقل إلحاحًا. التزام أمريكى بنسبة 20٪ يبدو، فى أحسن الأحوال، إشارة سياسية أكثر منه ضمانة تنفيذ. أما الـ80٪ المتبقية، فمصادرها غامضة، دول عربية؟ مستثمرون دوليون؟ مؤسسات مالية؟ غياب الإجابة ليس تفصيلًا، بل مؤشر إلى نقل العبء السياسى والمالى إلى أطراف أخرى، مع احتفاظ واشنطن بدور المُصمِّم لا المُموِّل الكامل. وفى منطقة بلا سيادة واضحة ولا استقرار أمنى مضمون، يصبح الاستثمار رهانًا عالى المخاطر.

التوقيت لافت، لحظة إنهاك فلسطينى غير مسبوق، وتراجع فى زخم التعاطف الدولى، ورغبة عامة فى «إغلاق ملف غزة» بأى صيغة تقلل الكلفة السياسية. لذلك، تبدو «شروق الشمس» محاولة لإدارة الأزمة لا لمعالجة جذورها، ولتجميد الصراع لا لتسويته. فالإعمار هنا يُستخدم كأداة لتجاوز السياسة، لا كجزء من حل شامل.

لغزة الحق فى الإعمار، ولأهلها الحق فى حياة كريمة. لكن الإعمار الذى يتجاهل سؤال من يقرر، ومن يحكم، ومن يملك الأرض، هو إعمار هشّ، قابل للانهيار عند أول اختبار.

غزة لا تحتاج «شروق شمس» استثماريًا بقدر ما تحتاج وضوح أفق سياسى يضمن الحقوق والسيادة قبل الخرائط والمنتجعات. أى خطة لا تضع الإنسان الفلسطينى فى قلبها، ولا تُجيب عن أسئلة الحكم والتمثيل والتمويل والمرجعية، ستبقى عرضًا جذابًا على شاشة، لا مسارًا مستدامًا على الأرض.

arabstoday

GMT 04:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 04:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 03:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 03:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 03:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 03:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 03:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 02:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«شروق الشمس» أم غروب السياسة «شروق الشمس» أم غروب السياسة



النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ العرب اليوم

GMT 05:52 2026 الثلاثاء ,15 أيلول / سبتمبر

سياحة البلدات الصغيرة ترند السفر في خريف 2026

GMT 04:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab