بقلم: عبد اللطيف المناوي
لا تكشف جائزة نوبل للسلام معناها من اسم الفائز وحده، بل من توقيت منحها. جاء فوز القاضية الجنوب أفريقية نافانثيم «نافى» بيلاى بجائزة 2026 وسط ضغط سياسى متصاعد على القانون الدولى ومؤسساته، وفى اليوم نفسه الذى أعلنت فيه واشنطن عقوبات جديدة على المحكمة الجنائية الدولية. لذا تبدو الجائزة تكريمًا لمسيرة ورسالة دفاع عن العدالة باعتبارها شرطًا للسلام.
منحت اللجنة النرويجية الجائزة لبيلاى «لجهودها فى تعزيز السلام والقانون الدولى». وقالت إن النظام القانونى الدولى يتعرض لضغط شديد، وإن القضاة الواقفين على «الخط الرفيع بين النظام والفوضى» يستحقون التقدير. ونبهت إلى مهاجمة مؤسسات قضائية وفرض عقوبات على بعض القضاة. نوبل لا تصدر حكمًا فى نزاع بعينه؛ لكنها تؤكد أن مساءلة مرتكبى الجرائم جزء من بناء السلام.
وُلدت بيلاى عام 1941 فى ديربان لعائلة من أصول تاميلية هندية، وعملت محامية فى ظل الفصل العنصرى مدافعة عن معارضيه، بينهم نيلسون مانديلا. تولت رئاسة المحكمة الجنائية الدولية لرواندا بين 1999 و2003، وأسهمت فى ترسيخ اعتبار الاغتصاب والعنف الجنسى جريمة ضد الإنسانية وقد يشكلان إبادة جماعية، كما ساهمت فى اعتبار التحريض على الإبادة عبر الدعاية جريمة. وترأست لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة من 2021 إلى 2025، وهى اليوم قاضية خاصة فى قضية جامبيا ضد ميانمار بمحكمة العدل الدولية. يلزم التمييز بين محكمتين: محكمة العدل الدولية تنظر فى نزاعات الدول، أما المحكمة الجنائية الدولية فتحاكم الأفراد على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة.
بيلاى قاضية خاصة حاليًا فى الأولى، لكنها عملت قاضية فى الثانية بين 2003 و2008؛ وهى التى استهدفتها العقوبات الأمريكية. وبررت واشنطن العقوبات برفض اختصاص المحكمة فى قضايا تمس مواطنين أمريكيين وحلفاءها، بينما قالت المحكمة إنها محاولة لعرقلة عملها.
كانت بيلاى فى نورمبرج حين بلغها الخبر، فمزحت بأنها قد تشارك الجائزة مع ترامب إن زاد التصفيق. ورد الرئيس ساخراً من اختيارها، وأعاد نشر اتهامات بالتحيز ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. وقال إنه «لا أحد يعرفها»، وادعى أنه كان يستحق ثمانى جوائز سلام، كما هاجم تقرير لجنة التحقيق التى ترأستها بشأن غزة ووصفه بأنه زائف. إعلان العقوبات فى اليوم نفسه لا يثبت أن الجائزة سببت القرار، لكنه يبرز التوتر بين تكريم القضاء المستقل والضغط على مؤسسة قضائية.
رحب الأمين العام للأمم المتحدة بالجائزة، ورأت جهات دولية وحقوقية فيها دعمًا للعدالة، فيما انتقدت إسرائيل الاختيار بسبب مواقف بيلاى وتقاريرها عن غزة. وبعد الجدل حول تسليم الفائزة السابقة ماريا كورينا ماتشادو ميداليتها إلى ترامب، قد يعيد اختيار بيلاى الاهتمام إلى معيار الجائزة واستقلالها. لا تستطيع نوبل حماية المحاكم من العقوبات أو فرض تنفيذ أحكامها. لكنها تذكّر بأن القانون الدولى ليس ملكاً للدول الأقوى، وأن استقلال القضاء ضمانة للضحايا. بهذا المعنى، تعيد جائزة بيلاى بعض الأمل إلى قيمة نوبل، إذ تضع العدالة والمساءلة فى قلب السلام فى زمن يعلو فيه صوت القوة.