حين تصبح التماسيح سياسة دولة

حين تصبح التماسيح سياسة دولة

حين تصبح التماسيح سياسة دولة

 العرب اليوم -

حين تصبح التماسيح سياسة دولة

بقلم: عبد اللطيف المناوي

لم تعد اللا إنسانية فى خطاب اليمين الإسرائيلى المتطرف مجرد عبارات تحريضية تُطلق لاسترضاء جمهور غاضب، بل أخذت تتحول إلى قرارات إدارية وموازنات ومشروعات رسمية. وأحدث الأمثلة على ذلك خطة إحاطة أحد أجنحة سجن كتسيعوت فى صحراء النقب بخندق يضم تماسيح، بزعم منع هروب المعتقلين الفلسطينيين وتعزيز «الردع».

تبدو الفكرة للوهلة الأولى مشهدًا من فيلم ردىء أو عقوبة مستوحاة من العصور القديمة. لكنها لم تبقَ مجرد نكتة ثقيلة أطلقها وزير الأمن القومى إيتمار بن غفير؛ فقد أعادت وزيرة حماية البيئة عيديت سيلمان تصنيف تمساح النيل باعتباره «حيوان برى مُربى»، بما يمهد قانونيًا لاحتجازه فى منشآت أمنية، رغم اعتراض السلطة المختصة والحدائق وتحفظ المستشارين القانونيين والمهنيين داخل وزارتها.

وبحسب تقارير إسرائيلية، بدأت أعمال حفر خندق بطول يقارب ١٧٠ مترًا حول أحد أجنحة السجن، ورُصدت للمشروع موازنة تبلغ ٢١ مليون شيكل. وهكذا انتقلت الفكرة من مجال الاستعراض الشعبوى إلى التنفيذ المؤسسى، قبل أن تتدخل المحكمة المركزية فى القدس وتصدر أمرًا مؤقتًا يجمّد الإجراءات المستندة إلى إعادة تصنيف التماسيح، مع استمرار بعض الأعمال الإنشائية إلى حين حسم النزاع القانونى.

المشكلة لا تقتصر على مدى فاعلية التماسيح فى منع الهروب، ولا على التكلفة أو صعوبات رعايتها. القضية الأساسية هى العقل السياسى القادر على تصور الحيوانات المفترسة جزءًا من منظومة التعامل مع سجناء بشريين.

لو كان الهدف أمنيًا خالصًا، لكانت الوسائل الحديثة أكثر كفاءة وأقل تكلفة وخطورة، كاميرات المراقبة، وأجهزة الاستشعار، والأسوار الإلكترونية، وأنظمة الإنذار وتعزيز الحراسة. لكن بن غفير لا يبحث فقط عن منع الهروب، إنه يبحث عن صورة ترهيبية يمكن تسويقها إلى جمهوره.

ولهذا نشر صورة له إلى جانب تمساح، مخاطبًا المعتقلين بلغة التهديد والانتقام، ومطالبًا من يفكر فى الهرب بأن «يعيد التفكير». نحن هنا أمام مسرح سياسى للقوة، يحول الإذلال إلى إنجاز، والخوف إلى سياسة عامة، والقسوة إلى مادة دعائية. فالتمساح ليس مجرد أداة أمنية، بل رمز سياسى. والرسالة المقصودة أن الفلسطينى المحتجز لا يستحق فقط تقييد حريته وفق القانون، وإنما يجب أن يعيش محاطًا بصور الموت والافتراس. وبذلك يتراجع مفهوم السجن من مؤسسة لتنفيذ عقوبة أو احتجاز خاضع للقانون، إلى فضاء للانتقام النفسى وإرهاب المعتقلين.

هذه الذهنية تمثل جوهر مشروع بن غفير. فهو لا يكتفى بالمطالبة بإجراءات أكثر صرامة، بل يسعى إلى محو الحدود بين الأمن والانتقام، وبين تطبيق القانون وإشباع الرغبة فى إذلال الخصم. وحين يصبح المعتقل «وحشًا» فى الخطاب السياسى، يصبح من الأسهل تبرير معاملته بوسائل وحشية.

كل منظومة قمعية تبدأ باللغة. يُجرد الخصم أولًا من صفته الإنسانية، ثم تصبح إساءة معاملته مقبولة، وربما مطلوبة. وعندما يصف وزير مسؤول المعتقلين باستمرار بألفاظ تنزع عنهم الكرامة والحقوق، فإنه لا يخاطبهم وحدهم، بل يعيد تشكيل وعى المجتمع تجاههم.

arabstoday

GMT 06:07 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

بوتين واحد لا بوتينان في روسيا!

GMT 06:02 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

ما وراء سياسة الأرض المحروقة

GMT 05:58 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

تشخيص الحرب بين «العمق والسطح»

GMT 05:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

العمال بناة الأهرامات

GMT 05:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

متى «أوديسة» العرب؟

GMT 05:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

ليبيا... هل مبادرة بولس واقعية؟

GMT 03:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

تهويش أمريكي إسرائيلي

GMT 03:37 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

المشي مع القطيع!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حين تصبح التماسيح سياسة دولة حين تصبح التماسيح سياسة دولة



أحدث إطلالات كارمن بصيبص شعر قصير واختيارات مبتكرة للأزياء

بيروت ـ العرب اليوم
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab