بقلم: عبد اللطيف المناوي
إذا صحّت التسريبات حول ما يُسمى «إعلان إسلام آباد»، فنحن لا نكون أمام اتفاق سلام مكتمل بين واشنطن وطهران، بل أمام محاولة عاجلة لإعادة الصراع من حافة الانفجار إلى طاولة التفاوض. فالمسودة المتداولة تتحدث عن وقف شامل لإطلاق النار، وضمان حرية الملاحة فى الخليج ومضيق هرمز، وبدء مفاوضات خلال أيام، مقابل تخفيف تدريجى للعقوبات وعودة التفاهمات النووية إلى الواجهة.
لكن جوهر الاتفاق، إن تم، لا يكمن فى إنهاء الأزمة، بل فى إدارة الانفجار ومنع تحوله إلى حرب إقليمية مفتوحة. فالقضايا الأساسية لاتزال معلقة، مستقبل البرنامج النووى الإيرانى، حجم التخصيب، الصواريخ الباليستية، النفوذ الإقليمى، وضمانات أمن الخليج وإسرائيل. ولهذا يبدو الإعلان أقرب إلى «هدنة استراتيجية» تمنح الجميع فرصة لالتقاط الأنفاس، لا إلى تسوية نهائية.
اتصالات ترامب المكثفة بقادة المنطقة قبل الإعلان المحتمل ليست مجرد إبلاغ دبلوماسى. فواشنطن تدرك أن أى تفاهم مع إيران لن ينجح إذا بدا كأنه تم فوق رؤوس الحلفاء، خاصة إسرائيل والسعودية والإمارات. لذلك يبدو أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى أمرين معًا، احتواء الاعتراضات الإقليمية، وتوفير غطاء سياسى يسمح بتسويق الاتفاق باعتباره خطوة لحماية الاستقرار وحرية الملاحة، لا تنازلًا لإيران.
بالنسبة لواشنطن، يحقق الاتفاق عدة أهداف. فهو يوقف استنزافًا عسكريًا واقتصاديًا لا ترغب الإدارة فى تحويله إلى حرب طويلة، ويعيد قدرًا من الاستقرار إلى أسواق الطاقة والملاحة الدولية، كما يمنح ترامب فرصة لتقديم نفسه باعتباره الرئيس الذى فرض التفاوض بالقوة، لا الذى تراجع أمام إيران.
أما طهران، فهى تحتاج الاتفاق بقدر ما تخشاه. تحتاجه لأنه يخفف الحصار والضغط الاقتصادى والعسكرى، لكنه يحمل أيضًا خطر الظهور بمظهر المتراجع تحت الضغط. ولهذا ستحاول القيادة الإيرانية تقديم أى تفاهم باعتباره نتيجة «صمود» لا نتيجة هزيمة.
إسرائيل تبقى الطرف الأكثر قلقًا. فهى تخشى أن يتحول الاتفاق إلى مجرد تجميد مؤقت يمنح إيران وقتًا لإعادة ترتيب أوراقها النووية والعسكرية. ولذلك قد تقبل به تكتيكيًا، لكنها ستظل متحفزة لأى لحظة تشعر فيها أن واشنطن ذهبت بعيدًا فى التسويات.
أما الخليج، فهو يريد وقف الحرب وفتح هرمز وتأمين الطاقة، لكنه يخشى فى الوقت نفسه من تفاهم أمريكى- إيرانى يعيد إنتاج النفوذ الإيرانى دون معالجة جذور الأزمة الأمنية فى المنطقة.
لهذا فإن «إعلان إسلام آباد» إذا خرج إلى النور، لن يكون نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة عنوانها: إدارة التوتر بدل الانفجار. اتفاق يمنع الحرب الآن، لكنه لا يضمن السلام الكامل لاحقًا.
بعبارة أخرى: نحن لا نرى نهاية الأزمة، بل نشهد محاولة منظمة لإدارتها قبل أن تبتلع الجميع.