لبنان والسلام كاشف المثالب

لبنان والسلام كاشف المثالب

لبنان والسلام كاشف المثالب

 العرب اليوم -

لبنان والسلام كاشف المثالب

بقلم : سام منسى

فلنبتعدْ قليلاً عن السِّجال الحاد حول المفاوضاتِ واتفاقاتِ السَّلام مع إسرائيل بتلاوينها المختلفة، والتي تختزل النقاش حول قبول أو رفض «حزب الله» لها، بهدف مقاربة أزمة أعمق بكثير لا تتعلق فقط بموقف الحزب؛ بل بما قد يكشفه أي اتفاق محتمل عن حقيقة الدولة اللبنانية والنظام السياسي الذي حكم البلاد لعقود. فإذا كانت الحروب -رغم فظاعتها- قد سمحت بتأجيل المسائل الداخلية، فإنَّ السلام أو الاستقرار طويل الأمد سيسحبان ذرائع التأجيل دفعة واحدة، ويضعان الجميع أمام القضايا التي جرى الهروب منها طويلاً. من هنا ضرورة فتح نقاش موازٍ للمفاوضات، يدور حول مرحلة ما بعد هذه الحرب.

لا شك في أنَّ أي تسوية ستضع «حزب الله» أمام تحدٍّ وجودي مرتبط بهويته السياسية ومستقبله. فالحزب الذي لم يقدِّم نفسه يوماً كحزب لبناني تقليدي؛ بل كجزء من مشروع إقليمي تقوده إيران، سيواجه تحدي الانتقال من موقع القوة المسلحة العابرة للدولة، إلى موقع الحزب السياسي الخاضع لمنطق الدولة وتوازنات الداخل اللبناني وتسوياته وحدوده. والسؤال: هل يستطيع القيام بهذا التحول؟ أم أنَّ ارتباطه بطهران آيديولوجيّاً وتمكينيّاً سيجعله بالغ الصعوبة؟

لكن الأزمة لا تقتصر على الحزب؛ بل تطول المنظومة السياسية برمتها التي أفادت من عدم الاستقرار للتنصل من مسؤولياتها. فالحروب سمحت للدولة اللبنانية بالعيش في منطقة رمادية برَّرت فيها العجز والانقسام بالعامل الأمني المضطرب. أما السلام، فسيضع الجميع أمام اختبار صعب: هل تستطيع الدولة احتكار القرار الأمني والعسكري والسياسي، وإدارة إعادة الإعمار والإصلاح، واستعادة الثقة الداخلية والخارجية؟ فالدولة لا تعاني فقط من ضعف سياسي؛ بل من تآكل مؤسساتها وعجزها عن إدارة الاقتصاد والخدمات وفرض القانون، جرَّاء نفوذ شبكات طائفية وزبائنية ومراكز قوى متداخلة، راكمت مصالحها داخل دولة مستضعَفة.

وأي تسوية ستعيد أيضاً طرح مسألة السيادة بوجهها الواقعي لا الخطابي، لجهة قدرة الدولة على فرض حصرية السلاح وحماية حدودها ومؤسساتها، وستفتح باب النقاش حول نظام المحاصصة الطائفية السياسي، بين من يتمسك بالمناصفة واتفاق الطائف، ومن يرى غير ذلك. فهل بمقدور الطبقة السياسية بمجملها -لا «حزب الله» وحده- الانتظام داخل دولة فعلية تقيِّد نفوذ الجميع بالقانون والمؤسسات، لا بمنطق الحصص والتوازنات والهامش الدائم خارج سلطة الدولة؟

لبنان بحاجة إلى السلام والاستقرار بقدر حاجته إلى إعادة تأسيس سياسية تعيد الاعتبار للدولة كمرجعية وطنية مشتركة، بعدما تقاسمتها الطوائف ومراكز النفوذ. لذلك، فإنَّ أي خروج من الأزمة سيحتاج إلى تكتل وطني عابر للطوائف، عنوانه الدولة والمؤسسات، لا توازن الرعايات الطائفية. تكتل يجمع بين السيادة والإصلاح؛ لأن خطيئة المرحلة السابقة كانت التعامل معهما كأنهما مساران منفصلان: فريق يرفع شعار السيادة من دون مشروع إصلاحي، وآخر شعار الإصلاح والحماية الاجتماعية، بينما يبرر بقاء السلاح ومنطق الدولة الموازية. وقد أثبتت الأزمة اللبنانية أنَّ غياب الدولة هو ما سمح بانهيار الاقتصاد والمؤسسات والسيادة معاً.

وعليه، يحتاج لبنان خطة إصلاح واضحة يضعها بنفسه قبل طلب أي دعم خارجي. فالدول العربية -والخليجية تحديداً- تريد أن ترى نظاماً لا يعيد إنتاج أزماته، ولكنها قد تدعم مساراً جديّاً يعيد بناء المؤسسات والاقتصاد والجيش والإدارة العامة على أسس مختلفة. هل الانتقال متاح من ثقافة طلب الرعاية الخارجية إلى ثقافة التفاوض مع الخارج، انطلاقاً من مشروع وطني واضح، لا من حسابات الفئات والطوائف؟

تبقى معضلة علاقة «حزب الله» ببيئته. إنَّ أي مشروع لبناء الدولة سيبقى ناقصاً إذا تعامل معها باعتبارها مجرد امتداد للحزب، والعكس صحيح. فشريحة واسعة منها تعيش اليوم أيضاً أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة، ويُخشى أن يُفهم أي تراجع لدور الحزب كمحاولة لعزل الطائفة أو تقليص حضورها داخل النظام. لذلك، فإنَّ استعادة الدولة تحتاج إلى مشروع شراكة وطمأنة لا مشروع انتقام سياسي، وإلى إعادة دمج بيئة الحزب في فكرة الدولة كمصلحة فعلية لها؛ لا كخِصم وجودي.

وتبرز أخيراً عقدة إسرائيل وقابليتها للسلام. فإسرائيل اليوم تختلف كثيراً عن مرحلة اتفاقات السلام السابقة: مجتمع أكثر يمينية، ونفوذ متزايد للتيارات الدينية والقومية المتشددة، ومقاربة أمنية تقوم على إدارة الصراع لا حله. من هنا تُفهم الانتهاكات العسكرية المستمرة للبنان خلال فترات التفاوض، وكأنَّها تقوِّض عملياً أي خطاب لبناني يدعو إلى حصرية السلاح وتعزيز الدولة.

إنما السؤال هو ما إذا كانت القوى السياسية اللبنانية مستعدة لتحمل تكلفة الانتقال إلى الدولة، والخروج من التوازن الهش القائم على الخوف المتبادل وتقاسم النفوذ والتسويات بين الطوائف، والاصطفافات ضمن المحاور الخارجية. فالأزمة اللبنانية لا ترتبط بما تفعله إسرائيل أو ما يريده «حزب الله» فقط؛ بل أيضاً بعجز اللبنانيين أنفسهم عن الاتفاق على شكل الدولة التي يريدونها، وحدود السلطة فيها، ومعنى السيادة التي يرفعها الجميع شعاراً، ولكنهم يتجنَّبون تكلفتها الفعلية. كما لن نغيِّب أنَّ التغيير يتأثر بأوضاع الإقليم، والعجز اللبناني بعضه إقليمي.

arabstoday

GMT 08:23 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الضحايا المعتادون

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

ماذا تبقَّى من إمبراطورية طهران؟

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أميركا والمونديال والحذر والقدَر

GMT 05:30 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

كلاهما يبكي على ليلاه

GMT 05:24 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

رمضان و«فوبيا» الأرقام!

GMT 05:22 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

100 يوم حرب

GMT 05:19 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

باكستان في الشرق الأوسط الجديد

GMT 05:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الإجرام المجاني أصبح له ثمن

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لبنان والسلام كاشف المثالب لبنان والسلام كاشف المثالب



الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - العرب اليوم

GMT 02:43 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

نيمار يطلق اعترافًا مؤثرًا عن حلمه في كأس العالم 2026
 العرب اليوم - نيمار يطلق اعترافًا مؤثرًا عن حلمه في كأس العالم 2026

GMT 15:47 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

إيران تعلن وقف الضربات على إسرائيل

GMT 05:23 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

سلطات الاحتلال الإسرائيلية تعلن فتح معابر قطاع غزة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab