بقلم : فاطمة ناعوت
أكتبُ هذا المقال بعد هوجة الهرج والمرج الساذجة التى أطلقها المتشددون مع شائعة موت المفكر والكاتب التنويرى «إبراهيم عيسى» فى حادث سير. وأن موته عقابٌ له على فيلم «الملحد»، الذى هو بالحقّ دعوةٌ ناصعةٌ للإيمان بالله دون وصاية ولا جبر. وحسنًا قال إنه سوف يُفلِسُهم فى الآخرة، مثلما أفلَسَهم فى الدنيا.
مُنتهى التدنّى الأخلاقى والضحالة الفكرية أن نتمنى الغيابَ لمن يختلفُ معنا، بدلا من تأمُّل الاختلافِ فى الرأى بوصفه ثراءً معرفيًّا، وسِعةً إنسانية، وسُنّة من سُنن الخلق: ولو شاء اللهُ لجعلنا فكرًا واحدًا، وشكلا واحدًا، وطبقة واحدة. منتهى الضعف والصِغَر أن نرتاح لفكرة أن «الآخرَ» يجب أن يُمحى كى نشعرَ بالأمان. ولهذا، حين يموتُ مَن نختلفُ معه، نسارعُ، بمنتهى المراهقة الأخلاقية الفاضحة، إلى تفسير موته بوصفه «عقابًا»؛ لأننا نحتاج أن نطمئن أن النظام الكونى يعمل لصالحنا!
العقلُ الغافلُ وحده يرى الموتَ انتقامًا، لأنه لا يعرف من الله إلا «المُعذِّب»، ولا يرى من الوجود إلا دفترَ جزاءات. أما القلبُ «العارفُ»، فيرى الموتَ لقاءً بالجمال المطلق، لا محكمةَ عذاب؛ خروجًا من الضيق إلى السِّعَة، لا سقوطًا من حالق؛ نداءً حانيًا من الرفيق الأعلى، لا صفعةَ تنكيلٍ ووعيد. فالإله الذى تحدَّث عنه العارفون، ليس جلادًا، بل حِضنٌ وأمانٌ وسكَن. ليس جلادًا قاسيًا ينتظر زِلّة، بل معنًى رحيمًا ينتظرُ رجوعَ الأوّابين. أما صغارُ النفوس ضِحالُ الفكر فيرسمون لله، حاشاه، صورةً تشبههم: سريعَ الغضب، انتقاميًا، ضيّقَ الصدر.
الذين يشمتون فى موت المختلف معهم لا يعاقبونه فى الواقع، بل يكشفون فزعهم الداخلى ويفضحون جهلهم بفكرة الخلق. يرون الموتَ شُرطيًّا كونيًّا يصفعُ خصومَهم نيابةً عنهم، وبهذا يشوّهون منطق الوجود، ومنظومة الحياة كما أرادها اللهُ تعالى بحكمته وسعته.
وكتابُ التاريخ فى جميع صفحاته يُكذِّب تلك الخرافةَ الساذجة. الأنبياءُ ماتوا، والقديسون ماتوا، العلماءُ والجهلاءُ ماتوا، المُعمّرون والأطفالُ ماتوا، الطيبون والطغاةُ ماتوا، والقتلةُ ماتوا مثلما أماتوا قتلاهم، بعضُهم فجأةً، وبعضهم ببطء، بعضهم على فراشه الوثير، وبعضهم فى حفرة. الموتُ لا يفرّق بين طيب وخبيث، لأنه ليس أداةَ فرزٍ أخلاقى، بل قانونٌ وجودى وحكمةٌ إلهية لا يدرى أسرارَها إلا صانعُها. الفرزُ فى الضمائر، لا فى المقابر.
الخوفُ من الموت ليس رعبًا من الفناء. بل خوفٌ من سقوط السيطرة. الإنسانُ بطبيعته يريد أن يُمسك بكل شىء: تفسيره ومعناه، سببه ونهايته. يريد أن يحوّل الغموضَ إلى معادلة مفهومة، والقدرَ إلى دفتر حساب. والأخطرُ أنه يختزل صورة الإله فى آلية ثواب وعقاب، كأنه تعالى منظومةٌ جزائية لا معنى رحيم حكيم يعلم ما استعصى علينا علمُه. وحين يعجز الإنسانُ عن الإمساك بالموت، يؤدلجه، يربطه بسلوك، يجعله مفهومًا عقابيًّا لا شرطًا وجوديًّا. هكذا يتحوّل الموتُ، فى الوعى الكسول، إلى عصا تُرفع فى وجه المختلف، بدل أن يكون مرآة تُرفع فى وجه الذات.
ربطُ الموتِ بالعقاب ليس موقفًا دينيًا، بل استجابةٌ نفسية عميقة للخوف. الإنسانُ، حين يعجز عن احتمال فكرة أن الوجود أعقدُ من منطقه، وأوسع من فكرته المُبسّطة عن العدالة، يحاول إعادة تشكيل العالم فى صورة بسيطة يمكنه فهمها والسيطرة عليها. فيحوّلُ الكونَ إلى قصة «كارتونية» واضحة: خيرٌ يُكافأ، شرٌّ يُعاقَب، وأحداثٌ لا تقع إلا «لسبب مباشر فورى» بوسعنا استيعابه وتسميته وتداوله وتحويله إلى حكايا سمر.
هذا الجوعُ للطمأنة النفسية يحتاج إلى رسم عالم مُسطَّح تُحسَمُ فيه القضايا الخلافية وتُغلق الأسئلةُ المفتوحة فور طرحها. لأن احتمال أن تظل الحقيقةُ مراوِغةً أصعب من قدرة هذا العقل على الاحتمال. هذا العقلُ الكسولُ يرسمُ سيناريوهاتٍ مريحةً يمكن روايتُها فى جملة عقابية توهمه أن الوجودَ يأتمر بأمره. وهذا يتناقضُ مع لغة الإيمان الدينى، والطرح الفلسفى كذلك. فالحديثُ الشريف يقول إن الأنبياءَ هم «أشدُّ الناس ابتلاءً ثم الأمثل فالأمثل»، أى أن الصلاح لا يُكافأ بالراحة، بل بالثِقَل والهَّمّ وعسر الحياة. كذلك مبدأ «الكارما» لم يتحدث عن عقاب مرئى وصفعة فورية، بل عن توازن أخلاقى قد يتحقق فى أزمنة مختلفة وسياقات لا نراها. توازنٌ يعمل ببطء الكون لا بسرعة الغضب.
أمّا الموت فى التصوف فليس خسارةً، بل استعادةٌ. ليس عقوبةً، بل استردادٌ للوديعة. ليس مَحوًا، بل خروجٌ من ضيق الشكل إلى سعة الحقيقة. نحن لا نخسرُ مَن يموت، نحن نتركه يسبقنا إلى حيث لا خصومة، ولا جدل، ولا شتم، ولا شماتة؛ بل وضوحٌ كامل وإشراقٌ مُتمَّم. أما العقلُ الكسول فيخافُ الموتَ لأنه لا يعرف ماذا يكون بعد الأسماء. يخافُ اللحظة التى يسقط فيها من لقبه، من صورته، من سيرته الذاتية ومكانته الاجتماعية، ليقف عاريًا أمام المعنى وحده.