انتصرت مصرُ وغادرتْ

انتصرت مصرُ.. وغادرتْ

انتصرت مصرُ.. وغادرتْ

 العرب اليوم -

انتصرت مصرُ وغادرتْ

بقلم: فاطمة ناعوت

بعضُ الخساراتِ تحملُ أمجادَها. فليست كلُّ خسارة انهزامًا، وليست كلُّ مغادرةٍ انكسارًا. ففى كرة القدم، كما فى الحياة، قد يغادرُ الملاعبَ الأفضلُ، لكنه يبقى فى ذاكرة البطولة وفى عنان المجد. هكذا انتصرت مصر، وغادرت كأس العالم رافعةَ الرأس، مُحرِزةً أهدافًا تاريخية عصيةً على النسيان، وصادّةً عن مرماها سهامًا لا تُرَدُّ.

لم يكن منتخبُنا المصرى العظيم مجرد أحد المشاركين فى بطولة كأس العالم 2026، بل كان أحدَ صنّاعها. لم يكتفِ بأن يكون رقمًا فى جداول النتائج، بل تحوّل إلى حكاية تُروى. ففى كل مباراة كانت مصرُ تكتب سطرًا جديدًا من الثقة، وتستعيد للمصريين شعورًا دافئًا خبرناه من قبل وافتقدناه سنواتٍ: أن منتخبنا قادرٌ على الوقوف نِدًّا قويًّا أمام أكبر مدارس الكرة فى العالم، دون ارتباك، ودون أن ينظر إلى أسماء المنافسين قبل أن ينظر إلى المرمى.

فى مباراتنا الأخيرة التى واجهنا فيها الأرجنتين، شهد العالمُ بأسره كيف جعل منتخبنا المصرى بطلَ العالم يلهثُ حتى الثوانى الأخيرة من المباراة. فاجأنا مرمى الخصم بهدفين متواليين فى الشوط الأول، فامتلأت صدور المصريين بأكسجين الفرح الذى يعمّر القلوب لسنوات مقبلة. لعب المصريون بشجاعةٍ تُدرَّس، وانضباطٍ تكتيكيٍّ يليق بكبار المنتخبات، وروحٍ قتاليةٍ جعلت المباراة واحدةً من أجمل مباريات البطولة وأكثرها إثارة.

قدّم رجالُ مصر درسًا فى الإصرار والثقة بالنفس، وتألّق نجومٌ ستظل الجماهير تذكر أسماءهم طويلًا؛ من «محمد صلاح»، قائدًا يُلهم قبل أن يُسجل، إلى «مصطفى شوبير» الذى أعاد تعريف معنى حارس المرمى فى هذه البطولة، إلى «هيثم حسن» الذى اختار تمثيل مصرَ من بين أوطان ثلاثة، ومعهم كتيبةٌ كاملة قاتلت حتى آخر ثانية. كانوا رجالا يدافعون عن اسم وطن عريق اسمه «مصر».

كانت المواجهة عالية المقام أمام عملاق رياضى فاز بالمونديال مراتٍ ثلاثًا، وقفنا أمامه ندًّا لند، وأرجفنا شباكه بهدفين. ولذا كانت صدمة صافرة النهاية مؤلمة. لم يكن الاعتراض مصريًا فحسب، بل امتد إلى منصات إعلامية عالمية ومحللين بارزين فككوا لقطات الـ VAR تحت المجهر، وتساءلوا مثلنا عن غياب معايير العدالة فى تطبيقه، والتباين فى اتخاذ القرار باللقطات التى حرمت المنتخب المصرى من حقه. والحديث هنا ليس عن تبرير خسارة، فالكبار لا يختبئون خلف الصافرة، لكننا نتحدث عن روح اللعبة وقيمتها الأسمى؛ العدالة، التى تجعل للمنافسة طعمًا وشرفًا ومعنى.

ومهما اختلفت الآراء حول بعض القرارات، فإن الحقيقة التى لن يختلف عليها أحد هى أن منتخب الفراعنة خرج من البطولة أكبر مما دخلها. غادر محفوفًا باحترام العالم وتقدير إمكاناته المشهودة، غادر وهو يعيد للمصريين ثقتهم بأن المجد قاب قوسين أو أدنى، وأنه لا يهب نفسه إلا بالعمل، والعلم، والانضباط، والإيمان بالنفس.

كم من أبطال غادروا البطولات، لكنهم لم يغادروا التاريخ. وكم من منتخب رفع الكأس، ثم نسيها الناس بعد أعوام، وكم من منتخبات لم تنل الكأس الذهبى بعد، لكنها تركت فى القلوب أثرًا أبقى من الذهب وأنقى. وأحسب أن منتخب مصر، فى هذه النسخة من كأس العالم 2026، قد اختار الطريق الأصعب... والأجمل.

كرة القدم ليست اثنين وعشرين لاعبًا يطاردون كرةً وشِباكًا، ولا تسعين دقيقة تنتهى بصافرة. إنها مرآةُ شعوب، تكشف معدنها ساعة الفرح، وتختبر أخلاقها لحظة الخسارة. ولذا لم يكن ما فعله منتخبنا المصرى الباسل مجرد أداءٍ رياضى رفيع المستوى، بل كان درسًا فى الانتماء والأصالة، ورسالةً إلى أجيالٍ بأن الأوطان لا تُبنى بالمواهب وحدها، بل بالإرادة والانضباط والعمل الجماعى. شاهدنا لاعبين يقاتلون لا من أجل مجدٍ شخصى، بل من أجل علمٍ يرتفع، ونشيدٍ وطنيٍّ يُعزف، وشعبٍ ينتظر لحظة فرح وسط ركام الإحباط. ولعل أجمل ما تركه منتخبُنا ليس أهدافه الجميلة، بل الصورة الجديدة التى رسمها لمصر فى عيون العالم؛ صورةُ فريقٍ لا ينكسر، ينتزعُ الانتصار بالجهد والموهبة والتناغم، ويتقبل النتيجة بشرف المقاتلين. تلك هى الروح التى نحتاجها خارج المستطيل الأخضر أيضًا؛ فى مدارسنا، وجامعاتنا، ومصانعنا، ومختبراتنا، وكل موقعٍ نحاول فيه أن نستعيد مكانًا يليق بمصر. فالأمم العظيمة لا يصنعها الذين لا يخسرون أبدًا، وإنما يصنعها الذين يعرفون كيف يحوّلون الخسارة إلى بداية انتصارٍ جديد.

أسمى أحلامى أن أرى منتخبَ مصر، مرآةً صادقةً للوطن؛ يضمُّ الموهوبين من كل الأطياف، لا ليثبتَ وحدتَنا، فهى حقيقة لا تحتاج إلى برهان؛ بل لأن مصر لا تُمثَّل إلا بأبنائها جميعًا. فحين يرتفع العلمُ، لا يسأل عن ديانة اليد التى رفعته، وحين يُعزف النشيد الوطنى، تذوب الفوارقُ فى اسمٍ واحد: مصر. هكذا تكون القوة الناعمة: مواهبُ تلمع، وهويةٌ تُظلّل، ووطنٌ لا يميّز إلا بالكفاءة.

مقام السؤال: هل يُقاسُ مجدُ الأممِ بما تربحه من مباريات... أم بما تدافعُ عنه من قيم؟!

arabstoday

GMT 04:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو

GMT 04:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 04:16 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن

GMT 04:08 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

الأميرة ديانا... ومتحف القدَر

GMT 04:03 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

التغير السياسي والتغير الثقافي والزمن الحاضر

GMT 04:01 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

هل يكتسح اليمين المتطرف أوروبا عام 2027!

GMT 03:58 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

GMT 03:56 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

«حزب الله»: دفاعاً عن السردية أم أزمة خطاب؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

انتصرت مصرُ وغادرتْ انتصرت مصرُ وغادرتْ



النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ العرب اليوم
 العرب اليوم - "ناسا" تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر

GMT 05:52 2026 الثلاثاء ,15 أيلول / سبتمبر

سياحة البلدات الصغيرة ترند السفر في خريف 2026

GMT 04:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 04:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab