على مدار العام الذى اختطف فيه الإخوانُ عرشَ مصر، وطوال فترة «اعتصام المثقفين» التى أفضت إلى «ثورة ٢٠١٣» الخالدة، سمحتُ لنفسى بتعديل شعار «ثورة ١٩» لأختتمَ جميعَ مقالاتى بجريدة «المصرى اليوم» بهذه العبارة: «الدينُ لله، والوطنُ لمَن يحبُّ الوطن». فالدولةُ، كما أفهمُها، بيتٌ كبير، سقفُه القانون، وأعمدتُه العدالة، وأرضيتُه الكرامة الإنسانية، وجدرانه المحبة والتحضر والعمل والتعاون على النهوض بالوطن. بيتٌ يدخلُه الجميع بأسمائهم لا بمللهم، بوطنيتهم وانتمائهم لا بطوائفهم، بإنسانيتهم وعلمهم وعطائهم لا بعقائدهم.
فحين نتأملُ فكرة «الدولة» فى معناها العميق، نجدُها فكرةً أخلاقية قبل أن تكون فكرةً سياسية. الدولة ليست جماعةً دينية، ولا ناديًا عَقَديًّا، ولا حزبًا طائفيًّا. الدولةُ مساحةُ العيش المشترك، حيث يتجاور المختلفون كما تتجاور الأشجارُ فى الغابة: لكل شجرةٍ شكلُها، ولكلٍّ جذورُها، لكن ظلال جميع الأشجار تتقاطع فى النهاية؛ لتظلِّلَ الجميع، دون تمييز.
من هنا جاءت كلمات الرئيس «عبدالفتاح السيسى» فى حفل إفطار «أكاديمية الشرطة» واضحةً وبسيطة فى آن:
«الدولة فيها ناس مسلمة ومش مسلمة، وناس مؤمنة ومش مؤمنة. هل الدولة معمولة لحد لوحده؟ الدولة معمولة لكل الناس. عايز نعمل ممارسة دينية تقدم فهمك للدين بشكل كويس. الدولة مش معمولة للمسلمين بس، معمولة لكل الناس».
هذه الفكرة الواعية، التى طبّقها الرئيسُ «السيسى»، قولًا وعملًا، منذ بداية حكمه، هى ذات الفكرة التى نقولُها منذ سنواتٍ وعقود، والتى يقولها كلُّ عقل نظيف، وما طالنا إلا السُّباب والتكفير والملاحقات القضائية.
لماذا نؤمن بفكرة «وطن دون تمييز»؟ لأننا ببساطة نحلم بالعيش فى مجتمع عادل متحضر، لا يفتّش فى صدور الناس، ولا يُصنِّفهم عَقَديًّا وفقَ الهوى، بل ينظرُ إلى مواهبهم وإنجازاتهم ووطنيتهم وغَيرتهم على دولتهم. وهو ما نسميه: «حقوق المواطنة»؛ التى تجعلُ المواطنَ شريكًا فى بناء الوطن، ضامنًا لكامل كرامته وحقوقه، دون احتماءٍ بأكثرية تتجبّر، ولا خضوع أقليّة تتشرنق. فالأكثرية والأقلية مفهوم سياسى يُطلق على «الوافدين»، لا على أصحاب البلد، مهما اختلفت عقائدهم.
فالإيمانُ الحقيقى لا يخافُ الاختلافَ، بل يُدرك أنه أحدُ أسرار الخلق. فلو شاء الله لجعل البشرَ أمةً واحدة، لكنه ترك فى الوجود فسحةً للاجتهاد، ومساحةً للتعدد، حتى يظلّ الإنسانُ كائنًا حرًّا، لا نُسخًا مكررة. الدولةُ، فى معناها الإنسانى والسياسى، ليست حارسةً للعقائد، بل حارسة للحقوق. العقيدةُ شأنُ القلب، والعملُ شأنُ الوطن. وما إن تبدأ الدولة فى تفتيش القلوب، فقدت معناها كدولة، وتحولت إلى سلطةٍ على الضمائر، لا إلى حارسةٍ للحريات.
فى التجربة الصوفية، اللهُ تعالى أوسعُ من أن يُحاصَر فى فهمٍ واحد: «ولا يحيطون به عِلمًا». فللقلوب طرقٌ متعددة نحو الحقيقة. بعضها يسير بخطى الإيمان الواثق، وبعضها يجول فى دروب السؤال، وبعضها يتعثّر بين الشك واليقين. لكن الجميع يعيشون تحت سماءٍ واحدة، يتنفسون هواءً واحدًا، ويستحقون حياةً كريمةً واحدة، فى وطن يحترمُ الجميع دون تمييز.
ولهذا فإن الدولة، حين تكون عادلة، تشبه المظلّة الوارفة التى لا تسأل المُستظلَّ بها عن عقيدته. بل تناقشُ حقوقَه وواجباتِه، وتحمى كرامته. وحين نقول إن الدولة للجميع دون تمييز عقدى، فإننا لا ننتقصُ من مكانة الدين؛ بل نعيده إلى مكانه الطبيعى الأجمل: مكان النور الداخلى الذى يسطعُ فى القلب، لا العصا الخارجية التى تبرزُ لتضربَ المختلف. الدينُ الذى يحتاج إلى سُلطةٍ تحميه هو دينٌ واهنٌ مذعور. أما الدين القوىُّ، فيسكن القلوب دون حراسة.
ويشهدُ التاريخُ أن المصريين عاشوا قرونًا طويلة تحت سماء واحدة، بنواقيس الكنائس وأذان المساجد، وكذلك صمت الذين يفتشون عن الله بطريقتهم الخاصة. ولم تكن مصر يومًا ضيقةً بأبنائها. كانت دائمًا أكبرَ من أن تُختزل فى طائفة بعينها. فالدولة التى تحمى المؤمن تحمى أيضًا حقّ غير المؤمن فى أن يعيش بسلام وكرامة. لأن الكرامة الإنسانية أوسع من التصنيفات. الكرامة لا تُقسَّم، والحقوق والواجبات لا توزّع وفق الهوى بل وفق الدستور وسيادة القانون.
الدولةُ ليست ساحةَ امتحانٍ للعقائد ولا تفتيش عن الإيمان، بل مساحةٌ للحياة والعمل والابتكار والتقدم واحترام القانون والأخلاق. لهذا يبدو المعنى الصوفى للدولة بسيطًا وعميقًا فى آن: أن تتّسع الأرض للجميع مثلما تتّسع رحمةُ الله للجميع: «ورحمتى وسِعَتْ كلَّ شىء». فالاختلافُ بين البشر ليس خللاً فى منظومة الخلق، بل جزءٌ أصيلٌ من جماله.
الوطنُ الحقيقى يُبنى على العدالة والقانون وحقوق المواطنة والكرامة، ويختبئُ فى صمت الأشياء الصغيرة: ابتسامة الجار، الكلمة الطيبة بين الناس، ضحكة طفل فقير تربتُ على كتفه يدٌ حانية، عالِمٌ يبتكر دواء يشفى من الوجع، معلّمٌ ذو ضمير يبنى نشئًا صالحًا، رجلٌ يغرسُ شجرةً. فى تلك التفاصيل، تتكوّن الدولُ القوية التى تقود العالم.