شجرةُ الأقدارِ البديلة الغصنُ الأعوج

شجرةُ الأقدارِ البديلة.. الغصنُ الأعوج

شجرةُ الأقدارِ البديلة.. الغصنُ الأعوج

 العرب اليوم -

شجرةُ الأقدارِ البديلة الغصنُ الأعوج

بقلم: فاطمة ناعوت

فى الرياضيات، يخبرنا علمُ الاحتمالات أن لكل حدثٍ نتائجَ ممكنةً، غير أن الواقع لا يسمح إلا بنتيجةٍ واحدة. وتمضى النتائجُ الأخرى إلى العدم؛ لكنها تبقى فى الخيال، كطرقٍ مُحتملة لم نسلكها، وأبوابٍ لم نطرقها، وأقدارٍ لم تولد. أما التاريخُ، فهو أكثر قسوة وحسمًا؛ إذ لا يمنح الأممَ فرصَ العودة لتجربة الاحتمالات التى لم تقع. للتاريخ أشجارٌ من الأقدار، لا يراها أحد. عند كل منعطف تاريخى، تشقُّ الأقدارُ طريقين نسير أحدهما، ويختفى الآخرُ من الخارطة، لكنه يظل حيًّا فى الخيال. لا أحد بوسعه أن يعيش التاريخ مرتين، لكن عين الخيال، تستطيع أن تتأمل الطريق الذى لم يُسلك.

كلما أقبل 30 يونيو، لا أستدعى صورَ الحشود، ولا هدير الميادين بالأعلام، ولا اعتصام المثقفين فى مبنى وزارة الثقافة بالزمالك وشوارعها، ولا الكروت الحمر التى رفعناها فى وجه الإخوان، ولا حتى أستدعى مقالاتى التعبوية التى كنتُ أختتمُها دائمًا بعبارة: «موعدنا 30 يونيو»، وصورى وأنا أجوب الشوارع أستوقف السيارات وأنادى المارّة بالعبارة ذاتها. فكل ذلك أصبح جزءًا من الذاكرة الوطنية. ما يشغلنى اليوم ليس ما حدث، بل ما لم يحدث.

ذلك الغصن الذى اِجتُثَّ من شجرة الأقدار، لأن إرادتنا وتجمعنا، نحن المصريين، على حب الوطن والخوف عليه، حذف الغصن الأعوج من خارطة البدائل. أتساءل: كيف كانت ستبدو مصر لو مضت فى الطريق الآخر؟ الإجابة ليست من باب اليقين قطعًا، فالغيب لا يملكه بشر، وإنما من باب التأمل الذى يمنحنا القدرة على رؤية قيمة ما بين أيدينا.

أتخيل القاهرة وقد فقدت شيئًا من شخصيتها. المدينة التى اعتادت، عبر آلاف السنين، أن تجمع فى شارعٍ واحد بين المئذنة وجرس الكنيسة، بين المسرح والمدرسة، بين بائع الكتب وبائع الحلوى، بين الشيخ والراهب والفنان والفيلسوف والمهندس والعامل والفلاح. هل كانت ستظل القاهرة بنفس ضحكتها التى أحبها العالم ومن أجلها يأتى الناسُ أفواجًا لينعموا بدفئها وأنسها؟ أم كانت ستغدو مدينةً خائفة تخجلُ من اختلافها وتستحى من تنوعها، وتتبرأ من دفئها الذى هو أحد أسرار جمالها؟

أتخيلُ مكتبةً تخلو رفوفها، لا لأن الأقلام جفّت، بل لأن الأدباء صاروا حذرين؛ يحذفون أكثر مما يخطّون، ويعتذرون إذا ما فكروا. أتخيل شاعرًا يمزق قصيدة، ليس لأن ميزان العروض قد اختل بين أصابعه، بل لأن للكلمات ثمنًا لا يطيقه قلبُ شاعر. أتخيل رسامًا انطفأت ألوانه، وموسيقيًا انخفض صوت عوده، ومُخرجًا يشطب المشاهد، وأستاذ فلسفة يتلعثم فى المحاضرة ثم يختصر نصف المنهج؛ لأن لا فلسفة دون سؤال، وقد صار السؤال مكلفًا. فالاستبداد لا يبدأ بإغلاق الصحف، بل يبدأ حين يخاف الورقُ من حمل الفكرة.

ثم أتخيل الطفل المصرى الذى سيكبر بعد عشرين عامًا ليقود هذا الوطن. ماذا ينغرسُ فى رأسه؟ هل كنا سنعلمه أن المعرفة تبدأ بالسؤال، أم نقنعه بأن السؤال خطيئة؟ هل كان سيتعلم أن العالم يتسع لاختلاف البشر، أم أن الاختلاف جرمٌ تتبرأ منه الأوطان، لأن الحقيقة لا تسكن إلا نافذةً واحدة؟ ولأننى شاعرةٌ، فإن ما يشغلنى ليس السياسة بل الخيال. الخيال هو أول ضحايا المجتمعات التى تضيق بالتعدد. وإذا انكمش الخيالُ، انكمش العلمُ، والفن، والفلسفة، وحتى الاقتصاد، بل انكمشتِ الحياةُ بأسرها. فكل اختراع بدأ بخيال، وكل ابتكار بدأ بسؤال، وكل قصيدة بدأت بصورة، وكل حضارة بدأت بإنسانٍ تجرأ على تخيُّل عالمٍ أجمل من العالم الذى ورثه. فالأمم تتحضّر بقدر ما تتركه لعقول أبنائها من مساحاتٍ واسعة للتفكير والإبداع والاختلاف.

ولذا، فالاحتفاء بـ 30 يونيو تذكيرٌ بأن حماية الوطن مسؤوليةٌ يومية. فالثورات قد تغير مسار التاريخ، لكن الذى يحفظ هذا المسار هو التعليم، والثقافة، والعدل، واحترام الإنسان، والإيمان بأن مصر أكبر من أى جماعة، وأوسع من أى فكرةٍ تريد أن تختزلها فى لونٍ واحد أو صوتٍ واحد.

علمنا التاريخُ أن أخطر ما يواجه الأوطان ليس وحسب الفقر والإرهاب والأزمات، بل ضمورُ العقل. لأن العقل إذا انطفأ، فلن يستطيع أن يبنى اقتصادًا، ولا أن يبتكر دواءً، ولا أن يكتب رواية، ولا أن يحمى الوطن. لهذا لا تُقاس القرارات التاريخية فقط بما صنعته، بل بما منعت وقوعه من مِحن. ونحن نحتفل بما تحقق، وننسى أن للتاريخ وجهًا لم يُرَ؛ كوارثَ لم تقع، خرائطَ لم تُرسم، انقساماتٍ لم تحل، وأحلامًا نجت لأنها وجدت من يحرسها. الأوطان العظيمة لا تعيش على أمجاد الأمس وحسب، بل تحيا بيقظة أبنائها وقدرتهم على تصحيح المسار كلما اقتربوا من حافة الهاوية.

مقام السؤال: هل بوسعنا إدراك قيمة الطريق الذى سلكناه، دون أن نمتلك شجاعة تخيُّل الطريق الذى لم نسلكه؟ 

arabstoday

GMT 04:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو

GMT 04:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 04:16 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن

GMT 04:08 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

الأميرة ديانا... ومتحف القدَر

GMT 04:03 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

التغير السياسي والتغير الثقافي والزمن الحاضر

GMT 04:01 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

هل يكتسح اليمين المتطرف أوروبا عام 2027!

GMT 03:58 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

GMT 03:56 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

«حزب الله»: دفاعاً عن السردية أم أزمة خطاب؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

شجرةُ الأقدارِ البديلة الغصنُ الأعوج شجرةُ الأقدارِ البديلة الغصنُ الأعوج



النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ العرب اليوم
 العرب اليوم - "ناسا" تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر

GMT 05:52 2026 الثلاثاء ,15 أيلول / سبتمبر

سياحة البلدات الصغيرة ترند السفر في خريف 2026

GMT 04:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 04:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab